ثمن السكوت

صغيرة وشايلة جرح كبير في قلبي لكني قررت إن دي مش النهاية دي البداية رجعت مدرستي وكنت بذاكر ليل نهار عشان أعوض السنين اللي ضاعت مني والكسرة اللي شوفتها خلتني أقوى بكتير من سني وبقيت بشتغل وبساعد أمي وبنيت لنفسي كيان مكنتش أحلم بيه أما هما فالدنيا دارت بيهم وحماتي وسلايفي فضلوا ينهشوا في بعض زي ما كانوا بيعملوا فيا وجوزي اتجوز واحدة تانية عملت في أمه اللي هي كانت بتعمله فيا بالظبط وذاقوا من نفس الكأس اللي شربوني منه وبقيت لما بشوفهم بالصدفة في الشارع ببص لهم بعين الشفقة مش الكره لأنهم خسروا إنسانة كانت هتخلص لهم لكن هما اختاروا القسوة والنهاردة وأنا واقفة على رجلي ومعايا شهادتي وببص لمستقبلي عرفت إن ربنا مبيسيبش حق حد وإن الوجع اللي مبيكسركش بيخليك أقوى وأجمل والحمد لله قدرت أعدي الكابوس وأبدأ حياة جديدة نظيفة مفيهاش غير الاحترام والتقدير وبس.
وبعد سنين من التعب والصبر ربنا عوضني وفتحت مشروعي الخاص وبقيت صاحبة مشغل بيعلم البنات والستات اللي زي حالاتي إزاي يكون لهم كيان ويحافظوا على كرامتهم وميسمحوش لحد يكسرهم مهما كانت الظروف وفي يوم كنت قاعدة في المشغل ولقيت واحدة داخلة عليا مكسورة وباين عليها الهم وأول ما رفعت عيني فيها لقيتها واحدة من سلايفي اللي كانوا بيستقووا عليا زمان كانت جاية تدور على شغل وهدومها دبلانة وعينها مليانة كسرة بصت لي بذهول مكنتش مصدقة إن دي البنت الصغيرة اللي
كانوا بيكتفوها ويذلوها هي هي الست اللي واقفة قدامها دلوقتي وبكل هيبة مكسفتهاش ولا عاملتها بمعاملتها بالعكس سمحت لها تشتغل وبقيت هي اللي بتسمع أوامري بس بالذوق والرحمة عشان أثبت لها إن الأصل الطيب هو اللي بيعيش في الآخر وإن الدنيا سلف ودين وكل واحد بيتحصد له اللي زرعه وأنا زرعت صبر وقوة وجنيت احترام نفسي وحب الناس حواليا وبقيت عايشة مع أهلي معززة مكرمة وببص للسما كل يوم وأشكر ربنا إنه نجاني من البير المهجور اللي كنت هتدفن فيه وكتب لي عمر جديد أعيشه بكرامتي وراسي مرفوعة لفوق.
وفي وسط ما أنا مشغولة بحياتي ونجاحي، ظهر في حياتي الشخص اللي كان فعلاً العوض من ربنا، إنسان عرف قيمتي من غير ما يحاول يكسرني، كان متقدم لي عن طريق ناس يعرفوا قصتي وشافوا فيا الست القوية الصابرة. في البداية كنت خايفة ومرعوبة من فكرة الجواز تاني، وكنت بقول لنفسي كلهم زي بعض، بس هو مكلش ولا مل، فضل يحاول يطمني ويثبت لي بالأفعال قبل الكلام إنه غيرهم تماماً، ولما جه وقعد مع أهلي مكلمهمش في جهاز ولا في عفش، أول كلمة قالها لأخويا أنا جاي أشتري خاطر بنتكم وأشيلها في عيني، وكرامتها عندي قبل كرامتي، وأمي بكت من الفرحة وهي شايفاه بيعاملني بكل تقدير واحترام قدام الكل. اتجوزنا في هدوء بعيد عن دوشة بيوت العيلة والتحكمات، وعشت معاه في بيتي الخاص ملكة، لا حد بيأمرني ولا حد بيذلني، إنسان بيشاركني طموحي وبيشجعني على نجاحي في
مشغلي، وبقيت كل ما أبص في عينه أفتكر الأيام الصعبة وأقول سبحانك يا رب، بجد العوض لما بييجي بيمحي كل أثر للوجع اللي فات، وطلعت من تجربتي دي بدرس واحد، إن مهما كان الليل طويل لازم الشمس تطلع، ومهما كانت الكسرة قوية ربنا بيجبر الخاطر جبر يتعجب له أهل الأرض، وأنا النهاردة بعيش أجمل أيام عمري في حضن راجل عرف يداوي جروحي ويخليني أنسى إني في يوم كنت الضحية المكسورة.
ومع الوقت، ربنا رزقني بطفل ملى عليا الدنيا، وكان جوزي شايله على كفوف الراحة، كأنه بيعوضني عن كل الحرمان والقسوة اللي شوفتها زمان. وفي يوم، وأنا ماشية مع جوزي وابني في السوق، وشايلة راسي لفوق وفرحانة بحياتي، شفت حماتي القديمة قاعدة على رصيف، هدومها دبلانة وشكلها كبرت وعجزت جداً، وأول ما عيني جت في عينها، لفت وشها الناحية التانية بكسرة وخجل، عرفت ساعتها إن الدنيا فعلاً دوارة، وإن اللي يظلم يتظلم ولو بعد حين.
جوزي حس بيا وسألني بكلمة واحدة تعرفيها؟، بصيت له بابتسامة صافية وقلت له كانت معرفة قديمة وانتهت، وكملت طريقي وأنا مش شايلة في قلبي غير الحمد والشكر لربنا. النهاردة أنا مش بس نجحت في شغلي، أنا نجحت إني أحافظ على قلبي نضيف ومن غير غل، وعرفت إن أجمل نهاية لأي قصة وجع هي إنك تلاقي نفسك من جديد، وتعيش حياة كريمة مع حد يقدرك ويصونك، ودي كانت أحلى قفلة لكتاب حياتي اللي بدأ بدموع وانتهى بضحكة من القلب.
تمت
بقلم انجي الخطيب
Engy

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *