دار المسنين

حاجة بتتبني سنين.
وإنت هدمتها بنفسك.
ولأول مرة شفت دموع في عينه.
مش كتير.
لكن كانت واضحة.
قال
أنا عارف.
وعارف إني استاهل إنك تسيبيني.
عدت أيام بعدها من أغرب أيام جوازنا.
مفيش خناقات.
مفيش صړيخ.
مفيش ټهديد.
كل واحد عايش مع أفكاره.
وأنا بدأت أراجع حياتي كلها.
كنت فعلًا عايزة أطلق؟
ولا كنت عايزة أحس بالأمان؟
سؤال صعب.
لكن مع التفكير اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت كلمة الطلاق نفسها.
المشكلة كانت الإهانة.
الخۏف.
الاستغلال.
إحساس إني طول الوقت مھددة.
وفي يوم وأنا قاعدة في المطبخ.
لقيت أحمد داخل عليا.
وحاطط ظرف قدامي.
قلت
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحته.
لقيت كل أوراق الديون.
كل حاجة.
من غير ما يخبي حاجة.
من غير كدب.
من غير تمثيل.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قال
الحقيقة كلها.
لو هنكمل مع بعض لازم تعرفي كل حاجة.
قعدنا ساعات بنتكلم.
أول مرة من سنين نتكلم بجد.
عرفت حجم الديون.
وعرفت إنه بالفعل بدأ يسدد جزء منها.
وعرفت إنه اشتغل أكتر من شغلانة مؤقتة خلال السنين اللي فاتت.
مش لأنه ناجح.
لكن لأنه كان بيحاول يستخبى من الحقيقة.
وفي وسط الكلام سألته سؤال مهم.
قلت
لو أنا كنت مكانك.
وكنت مخبية عنك كل ده.
كنت هتسامح؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال
معرفش.
بس كنت هستحق فرصة أشرح.
هزيت راسي.
لأن الإجابة كانت صادقة.
بعدها بأسبوعين حصل موقف غريب.
كنت في أوضة النوم.
ولقيت تليفونه بيرن.
على غير عادتي ما بصتش.
لكن هو جري بسرعة ورد.
وبعدين رجع.
وقال
دي شركة كنت مقدم فيها.
قلبي دق.
قلت
وقالوا إيه؟
ابتسم لأول مرة من زمان.
ابتسامة حقيقية.
وقال
اتقبلت.
فضلت باصة له ثواني.
وبعدين ابتسمت ڠصب عني.
مهما كنت زعلانة منه…
كنت عارفة إنه محتاج البداية دي.
وبالفعل بدأ الشغل الجديد.
ما كانش مرتب خيالي.
ولا منصب كبير.
لكن كان بداية محترمة.
ومع الوقت بدأت ألاحظ تغيير حقيقي.
مش كلام.
أفعال.
لما يزعل ما يزعقش.
لما يختلف ما يهددش.
لما يغلط يعتذر.
وفي الأول كنت فاكرة إنه مؤقت.
لكن الشهور عدت.
والتغيير مستمر.
وفي يوم كنا عند حماتي.
وكان فيه نقاش عادي على السفرة.
فاختلفنا أنا وهو في رأي بسيط.
زمان كان الموقف ده كفاية يولع خناقة.
لكن المرة دي
ابتسم وقال
ممكن أكون غلط.
كل الموجودين سكتوا.
حتى حماته بصت له بدهشة.
وأنا كمان.
لأن دي أول مرة أسمع الجملة دي منه.
وفي طريق الرجوع للبيت.
قلت
إنت اتغيرت.
قال
بحاول.
قلت
ليه دلوقتي؟
سكت شوية.
وبعدين قال
عشان أول مرة أحس إنك ممكن فعلًا تمشي.
وأول مرة أفهم إن الخۏف مش بيخلي الناس تفضل.
اللي بيخليهم يفضلوا هو الأمان.
الكلمة دي فضلت معايا أيام.
الأمان.
هو ده اللي كان ناقص.
مش الفلوس.
ولا الشغل.
ولا أي حاجة تانية.
الأمان.
مرت ست شهور.
والديون بدأت تقل.
والشغل استقر.
والبيت بقى أهدى.
لكن الأهم…
إني أنا نفسي اتغيرت.
بقيت أعرف قيمتي.
وأعرف إن الوحدة مش نهاية الدنيا.
وأعرف إن الإنسان ماينفعش يعيش طول عمره خاېف.
وفي ليلة كنا قاعدين في البلكونة.
والجو كان هادي.
فبص لي وقال
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اسأل.
قال
اليوم اللي قولتي فيه موافقة…
كنتي فعلًا ناوية تطلقي؟
بصيت للشارع شوية.
وبعدين قلت الحقيقة.
معرفش.
استغرب.
فكملت
أنا يومها ما كنتش بفكر في الطلاق.
أنا كنت بفكر إني تعبت.
تعبت من الخۏف.
ومن الټهديد.
ومن إني أحس إن ماليش قيمة.
سكت.
وأنا كملت
لما قلت موافقة…
كنت بموافق على إني أوقف اللي بيحصلي.
مش بس أوقف الجواز.
فضل ساكت يسمع.
وقلت
ولو كنت كملت بنفس الطريقة…
كنا فعلًا اتطلقنا.
هز راسه.
وقال بهدوء
عارف.
بعدها بشهور قليلة…
في ذكرى جوازنا الثامنة.
رجع من الشغل ومعاه علبة صغيرة.
ناولها لي.
فتحتها.
لقيت سلسلة فضة بسيطة جدًا.
وفيها كلمة واحدة محفورة.
احترام.
بصيت له باستغراب.
فقال
زمان كنت فاكر إن الحب أهم حاجة.
بس اكتشفت إني كنت غلط.
لأن الحب من غير احترام بيتحول لۏجع.
ما قدرتش أتكلم.
لأن الجملة لخصت سنين كاملة.
سنين خوف.
وۏجع.
وكذب.
وتغيير.
وفي الليلة دي…
وأنا باصة للسلسلة في إيدي…
افتكرت البنت اليتيمة اللي كانت پتخاف من كلمة طلاق.
والست اللي بقت تعرف إن قيمتها مش مرتبطة بحد.
وإن اللي يحترم نفسه. ..
ما يسمحش لحد يستخدم خوفه ضده.
وأكبر درس خرجت بيه من كل اللي حصل…
إن الإنسان أول ما يبطل ېخاف من الټهديد…
الټهديد بيفقد قوته.
وأول ما يعرف قيمته…
محدش يقدر يساومه عليها تاني.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *