احمد

“يا حبيبتي، إيه رأيك ننقل الشقة باسمي عشان بس أمي تهدا وتكبر دماغها؟” أحمد قال الجملة دي وهو واقف في الطرقة، بيحاول يبان طبيعي بس عينيه كانت بتلف في الأرض.بقلم منال علي

“إنت واعي للي بتقوله ده يا أحمد؟”
مريم جابت آخِرها بالرغم من إن صوتها مكنش عالي، بالعكس، كان واطي وهادي لدرجة تخوف. أحمد اتسمر مكانه وهو ماسك جاكيت البدلة، كأنه عيل صغير اتمسك بيسرق من شنطة أمه، وواقف مستني يشوف هيتسامح ولا هيتنفخ.
“أنا بس كنت بسأل..” بدأ يتلعثم في الكلام، “يعني.. ما يمكن أمي عندها حق
مريم قفلت اللاب توب بتاعها بالراحة. مخبطتوش ولا رزعت الغطا، نزلته بهدوء قاتل، زي ما بنقفل صفحة كتاب ملوش لازمة بعد ما عرفنا نهايته البايخة.
المطبخ كان نور الشمس ضاربه فيه، نضيف وهادي زيادة عن اللزوم. السيراميك الجديد بيلمع، والكاتل صوته طالع وهو بيغلي، وكأنه الشاهد الوحيد اللي ملوش دعوة باللي بيحصل.
“قول تاني كده،” مريم قالت ببرود، “وبالراحة عشان أتأكد إن ودني

مسمعتش غلط.”. بقلم منــال عـلـي
أحمد بلع ريقه:
“يعني.. أظن منطقي إننا نكتب جزء منها باسمي. مجرد إجراء صوري.. عشان بس الست الوالدة تبطل زن وتهدا.”
مريم سندت ضهرها على الكرسي، وحست ببرودة وتلج جواها، كأنها في أسانسير عطل ببيها بين الدورين.
“يعني،” بدأت تنقي كلامها بالشوكة والسكينة، “إنت جيت البيت وقررت إن المنطقي إنك تطلب مني أديك حتة من شقتي اللي شقيت فيها، عشان مامتك مكسوفة من كلام الناس والجيران؟”
“مش قصدي كده خالص!” اتنرفز أحمد، “إنتي دايمًا تحوري الكلام!”
“لأ يا أحمد، أنا بس بشيل الزواق.. وبطلع اللي مستخبي وراه.”
قامت ووقفت قدام الشباك. تحت في الشارع، واحد ماشي ب كلبه، وعيال بتلعب كورة وصوت خناقهم طالع، والبيوت لزقة في بعضها. الحياة ماشية عادي جدًا برا، بس جواها كان فيه حاجة بتتحطم في صمت.. وللأبد.
“إنت عارف أنا دفعت دم قلبي كام سنة عشان الشقة دي؟” سألته وهي مدياله ضهرها، “عارف اشتغلت كام “أوفر تايم”؟ وتنازلت عن كام
مصيف وكام فسحة عشان أوصل لهنا؟ إنت عارف أصلاً؟ متوفره على روايات واقتباسات
“أنا مش ناكر جميل..” تمتم بضعف، “بس أنا جوزك، وعايش هنا معاكي، والناس بتاكل وشي.”
لفت له مريم بسرعة والشرار في عينها:
“الجواز مش عقد تمليك ولا إقامة في فندق. الجواز يعني ضهر وسند، مش إنك تقف بيني وبين أمك زي المترجم لنوبات الغيرة بتاعتها.”
فجأة، جرس الباب رن. رنة طويلة ورخمة، زي رنة حد عارف إن البيت بيته ومستني يتفتح له فورًا.
أحمد اتنفض: “دي هي.. قلت لك إنها ممكن تفوت علينا.”
“إنت قولت يمكن،” مريم قاطعته، “بس معاك دايماً ‘يمكن’، ومعاها هي دايماً ‘أنا جيت خلاص
دخلت الست سميرة وكأنها داخلة تفتش في معسكر. قلعت شبشبها وهي بتبص في الأركان، وحطت شنطتها على السفرة وفضلت تلف بعينها تدور على ترابة، ولما ملقتش حاجة تعيبها، وشها اتلوي أكتر.
“أهلاً،” قالت بوقار مصطنع ونبرة حزينة، “قاعدين يعني؟”
“واقفين لسه،” ردت مريم، “لحد ما نشوف آخرتها.”
“أنا مش جاية أرغي كتير،
إحنا لازم نتكلم في المهم،” قالت سميرة وهي بتربع إيديها. بقلم منــال عـلـي
“تاني يا أمي؟” أحمد قالها بيأس.
“لأ، المرة دي كلام كبار،” ردت أمه بحدة، “أنا سكت وصبرت، بس لحد إمتى هنفضل نضحك على بعض ونقول إن الوضع ده طبيعي؟”
مريم حست بشد في أعصابها، وجهزت نفسها: “تفضلي يا طنط، بس من غير تمثيليات.”
“التمثيلية إنتي اللي بطلتها!” انفجرت سميرة، “ابني اتجوز واختفى. ملوش حاجة، ملوش كلمة، ملوش رأي.. عايش في بيتك كأنه “نزيل” أو مستأجر مفروش!”
“أحمد راجل شحط،” مريم ردت بهدوء، “يقدر يفتح بوقه ويتكلم لو حاسس إنه ناقصه حاجة.”
أحمد فضل باصص في الأرض وساكت.
“شوفتي؟” قالت سميرة بنبرة نصر، “حتى دلوقت ساكت، لأنه عارف إن ملوش كلمة في البيت ده.”
مريم ضحكت بسخرية: “السكوت ليه معاني كتير، في ناس بتسكت احتراماً، وفي ناس بتسكت عشان معندهاش شجاعة تواجه أوهامها.”
“انتي بقيتي شجاعة أوي ولسانك طال،” سميرة زعقت، “بس الشجاعة مش كل حاجة. فين الأصول؟ فين
احترام العيلة؟ فين احترام الأم؟”
“الأصول إنك متطمعيش في حاجة مش بتاعتك وتسميها ‘رعاية’،” ردت مريم بكل حزم، “ومش من حقك تقرري إحنا نعيش إزاي.”
سميرة قربت منها ووشها فيه غل: “أنا عايزة ابني يبقى “سيد قراره” في بيته، مش غريب.”
“هو مش غريب عشان الشقة،” مريم ردت بصوت واطي بس عميق، “هو غريب عشان لسه مربوط في طرف جلابيتك يا طنط.”
“مريم!” أحمد صرخ.
“لأ يا أحمد.. سيبها تسمع.”
سكتوا فجأة والكاتل فصل لوحده، كأن حتى الأجهزة خافت من الصمت ده.
“طيب يا ست مريم،” سميرة لمت شنطتها وهي بتهز رجلها بصبية، “أنا فهمت كل حاجة. إنتي فاكرة نفسك فوق الكل، بس صدقيني الموضوع ده مش هيعدي بالساهل.”
“أنا عمري ما توقعت إنه يعدي بالساهل،” مريم ردت وهي بتفتح لها الباب.
رزعت سميرة الباب وراها وهي خارجة، وأحمد رمى نفسه على الكنبة وخبي وشه بين إيديه متوفره على روايات واقتباسات
“ليه كده؟ دي أمي!” همس بقهر.
مريم بصت له بأسى: “وأنا مراتك. لو مخدتش قرار دلوقت وتعرف إنت مين، الأيام هي اللي
هتاخد لك القرار.. وساعتها مش هيعجبك.”
بعد ما سميرة مشيت، البيت بقى كئيب ومكتوم. مريم كانت بتتحرك آلياً، تلم الكوبايات وتمسح التربيزة، بس من جواها كانت بتحس إن البيت فضي فعلاً.
“إنتي شايفة كدة بجد؟” أحمد سأل وهو لسه باصص في الأرض، “إني مربوط؟”
مريم وقفت عند الشباك وبصت على إعلانات الشارع: “أعتقد إنك مستسهل. الصمت بالنسبة لك أريح من إنك تاخد موقف وتزعل طنط.”
“إنتي دايماً عندك حق، مش كدة؟” ابتسم بمرارة.
“لأ.. بس أنا عارفة الوجع فين، ومش قادرة أقول عليه إنه “عادي”.”
مريم هزت رأسها و هي بتقول
القصة هنا مش عن شقة…
دي عن حد لازم يقرر:
هيعيش حياته بنفسه… ولا يفضل طول عمره تابع لحد تاني.
تاني يوم، مريم جالها تليفون من رقم غريب.
“أيوة يا فندم، معاكي مكتب الهدى للعقارات.. بخصوص الطلب اللي الست الوالدة قدمته عشان استشارة في نقل ملكية شقة..”
مريم غمضت عينها وقالت ببرود: “قولولها إن الحاجة الوحيدة اللي تقدر تنقلها هي أوهامها.. وقفلت
السكة.”
بالليل، أحمد رجع وشكله مبهدل.
“ماما كلمتني،” قال وهو بيشيل جزمته، “كانت بتعيط وحالها يصعب على الكافر.”
“وقالت لك إيه المرة دي؟”
“قالت إنك عايزة ترميني في الشارع وتخلصي مني.”
مريم سابت اللي في إيدها: “وإنت قلت لها إيه؟”
تردد لحظة: “قلت لها هنلاقي حل يرضي الكل.”
بصت له نظرة أخيرة وقالت: “دي مش إجابة يا أحمد. يا إما إنت معايا.. يا إما إنت مجرد متفرج على جنازتنا.”
“إنتي بتخيريني بينك وبين أمي؟”
“لأ.. بطلب منك تبطل تخليها تاخد قرارات مكاني ومكانك. فيه فرق كبير.”
سكت شوية، وبعدين قال: “أنا هروح أقعد عندها يومين.”
مريم مهتزتش: “تمام.. روح وفكر كويس.”
عدت الأيام، البيت كان هادي بس هدوء مريح. مريم مارست حياتها عادي، نزلت شغلها وشافت صحابها، بس كانت مستنية الجملة اللي لسه مكملتش.
بعد أسبوع، اتصل بيها. “عايز أقابلك.”
“تعال.. بس لوحدك.”
جيه وشكله متغير، فيه “وقار” جديد في ملامحه.
“أنا روحت لمحامي،” قالها وش لوش.
“وقال لك إيه؟
”
“قال لي إن ماليش حق في الشقة، وإن كل اللي أمي بتقوله ده بلح وكلام قانوني ملوش أساس.”
مريم أومأت براسها: “أنا قلت لك كدة من سنة.”
“كنت سادد ودنك،” كمل بهدوء، “أمي قالت لي إنك بتستغليني، وشككتني فيكي.”
“وصدقتها؟”
“شكيت.. والشك كان هيهد البيت.”
بص لها وقال: “أمي قالت لي لو اخترتك، مش هتبقى ابني. خفت في الأول، بس اكتشفت إني كنت عايش حياتها هي، مش حياتي أنا وأنتي. أنا اخترت نفسي.. واخترتك.”
مريم سكتت لحظة، وبعدين قالت: “الكلام ببلاش يا أحمد.. الأفعال هي اللي بتتحسب.”
بعد شهر، جيه ومعاه ورقة. “دي “شروط وتعهدات” كتبناها عند محامي، بتضمن حقك وحقي وتحدد حدود كل واحد فينا، عشان مفيش حد يدخل حياتنا تاني.”
مريم قريت الورقة، وابتسمت لأول مرة بجد: “نورت بيتك يا أحمد.”
في الليلة دي، قعدوا يشربوا شاي في البلكونة، والصمت كان “ونيس” مش “تقيل”.
أحمد قال: “كنت فاكر إن العيلة يعني “ديون” لازم تتدفع.”
مريم ردت: “العيلة يعني “أمان”.. وأمان
يعني مفيش كدب، حتى لو كان الكدب ده متغطي بالحب.”
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *