روايه رائعه

من وسط التراب كرتونة قديمة.. كرتونة خبت فيها أحلامها لسنين. شلت ألوان، ورق رسم تخين، وفرش مكسورة.
قعدت في المطبخ، وفرشت الورق. إيدها اللي اتعودت على السكاكين والمقشات كانت بتترعش، بس مش من الخوف، دي كانت رعشة “الروح” اللي راجعة للحياة. رسمت أول خط.. وبعدين التاني. وبعد ساعة، الورقة مابقاش عليها رسمة “كتكوت” غلبان، بقى عليها **صقر** جارح، عينيه قوية ومنقاره زي السيف.
سعاد نسيت الأكل والشرب. يومين وهي بتخرج الوجع اللي كتمته تلاتة وعشرين سنة في شكل لوحات. طيور جارحة، نسور، وصقور.. وجنب كل رسمة كانت بتكتب جملة طالعة من نغزة قلبها:
> “الصقر مابيكاكيش.. الصقر بيفضل ساكت لحد ما ينقض.”
> “العشرة مابتتبنيش بالخوف.. بتتبني بالاحترام اللي إنت ضيعته.”
> متوفرة على روايات و اقتباسات
فتحت حساب على “الفيسبوك” و”إنستجرام” باسم مستعار: **”بنت النيل”**. وحطت صورة “عين صقر” مكان صورتها. وبدأت تنشر اللوحات.
### المفاجأة اللي هزت البيت
في أسبوع واحد، الدنيا اتقلبت. الستات بدأوا يشاركوا الصور وكأن سعاد بتتكلم بلسانهم. عادل رجع من سفره “المهم” وهو شايل خيبته كالعادة، مشاريع فاشلة وصحاب ضحكوا عليه.
دخل البيت لقاها حاطة له شوربة خضار. رمى الموبايل على التربيزة:
— شوفتي؟ حتى السوشيال ميديا اتجننت.. فيه واحدة مسمية نفسها “بنت النيل” بترسم طيور وواخدة آلاف اللايكات.. ياريتك كنتي بتعرفي تعملي حاجة تجيب قرش زي دي بدل ما إنتي قاعدة “فرخة” كده!
سعاد بصت له بابتسامة غامضة ومردتش. كانت عارفة إنه هو نفسه عمل “لايك” على لوحتها الأخيرة من غير ما يعرف إنها “مراته” اللي بيقلل منها.
بعد شهرين، “بنت النيل” بقت تريند.
جالها عرض من دار نشر كبيرة عشان تعمل كتاب عن “قوة الست”. استلمت أول دفعة من الفلوس، وحطتها في حساب بنكي “سري”.. حساب الحرية.
### المواجهة الأخيرة
يوم الجمعة، عادل كان داخل البيت بيزعق كالعادة:
— أنا زهقت! البيت ده نحس، والعيشة دي فقر!
سعاد كانت واقفة بقميص بيت نضيف وشعرها ملموم بكرامة. قالت بهدوء:
— يمكن الفقر مش في البيت يا عادل.. يمكن الفقر في اللي ساكن فيه ومصمم يفضل فاشل ويحمل فشله للناس.
عادل وشه احمرّ:
— إنتي اتجننتي يا فرخة؟ بتعلي صوتك عليا؟
سعاد مالت على الدولاب، طلعت برواز كبير متغطي. شالت الغطا، فظهر لوحة “الصقر” اللي كانت أول حاجة رسمتها، وتحت في الركن إمضاها الحقيقي والواضح: **”سعاد مهران – 2026″**.
عادل تنح. بص للوحة، وبص لسعاد، وبص للموبايل اللي في إيده.
— إنتي؟.. “بنت النيل” اللي الناس مكسرة الدنيا عليها تبقى إنتي؟
سعاد ببرود الصخر:
— أيوه.. “الفرخة” اللي كنت بتضحك عليها، هي اللي كانت بتدفع فواتير النور من وراك بشغل التطريز، وهي اللي بقت فنانة وليها اسم وإنت لسه بتدور على “مشاريع” وهمية.
شالت شنطتها اللي كانت جاهزة عند الباب:
— أنا ماشية يا عادل. ورقة طلاقي هتوصلك الأسبوع الجاي. تلاتة وعشرين سنة كنت فيهم “فرخة” في نظرك، دلوقتي جرب تطير ورايا لو عرفت.. بس الصقور مابترجعش للأقفاص تاني.
خرجت من الباب، وقفلت وراها براحة، من غير رزع. شمت هوا الشارع وكأنه أول مرة يدخل صدرها.
أما عادل، ففضل واقف قدام اللوحة، حاسس إنه صغر.. صغر أوي قدام عين الصقر اللي في الرسمة، اللي كانت بتبص له باحتقار، كأنه اكتشف فجأة إنه هو اللي كان محبوس في سجنه، وهي اللي طارت للسما.
**سعاد مهران.. مابقتش فرخة.. بقت
فنانة.. صقرة.. حرة.**
النهاية بقلم منــي الـسـيد




