جوز بنتي

مش هتمشي من هنا وتعملي فيها مظلومة.
وقفت بينه وبينها فورًا.
ما تلمسهاش.
دي مراتي.
ليلى رفعت راسها. ولأول مرة من سنين صوتها ماكانش مكسور.
أنا مراتك مش الزبالة اللي ترمي فيها عقدك.
السفرة كلها سكتت. بقلم منال علي
كريم مد إيده يمسك دراعها، لكن الحاج فاروق مسكه بعنف.
خلاص يا كريم كفاية.
وده خلاه يهيج أكتر.
كلكم قلبتوا عليّا عشان واحدة تخينة وعندها نقص!
ليلى قفلت عينيها لحظة. افتكرت إنها هتنهار.
لكن لما فتحتهم تاني ماكانش فيه خوف.
كان فيه تعب وكرامة بترجع من مكان بعيد أوي.
بصّت له وقالت بهدوء موجع
لا يا كريم أنا اللي خنت نفسي كل مرة صدقتك فيها.
ومشينا ناحية الباب.
مدام نادية كانت بتزعق وراها
هتندمي يا ليلى! ولا عيلة محترمة هتقبلك بعد ما تسيبي جوزك!
وقبل ما أخرج لفّيت وبصّيت لكريم آخر مرة.
بكرة ما تجيش الشركة إنت مرفود.
ابتسم ابتسامة كلها غل وحقد.
هترجعوا إنتوا الاتنين.
ليلى مسكت إيدي جامد بقلم منال علي
وفي اللحظة دي فهمت إن لسه فيه حقيقة أوجع وحان وقتها تطلع للنور.
الليلة دي، ليلى نامت عندي لأول مرة من ٣ سنين بقلم منال علي
أو بمعنى أصح حاولت تنام.
الساعة كانت داخلة على اتنين الفجر لما لقيتها قاعدة على الأرض في أوضتها القديمة، وسط كراتين قديمة وصور وكتب مدرسة، وحاضنة كشكول صغير كانت راسمة فيه وهي طفلة أول بيت حلمت تبنيه.
رفعت عينيها ليا وصوتها كان مكسور بطريقة وجعتني.
يا ماما إمتى بطّلت أبقى أنا؟
قعدت جنبها بهدوء.
إنتِ ما بطلتيش تبقي نفسك يا ليلى إنتِ بس فضلتي تستخبي شوية شوية عشان تعرفي تعيشي.
تليفونها ماكانش بيسكت.
كريم بعت رسايل لحد الفجر.
في الأول اعتذر. بعدين قال إن التكيلا هي السبب. بعدها قال إن أمه ضغطت عليه. وفي الآخر بعت رسالة خلتني أحس إني نفسي أخبطه بالقلم
من غيري محدش هيحبك.
ليلى فضلت باصة للرسالة وقت طويل.
وأنا ما اتكلمتش.
فيه حقايق الست لازم تشوفها بعنيها بنفسها، عشان محدش يقدر بعدها يشككها في وجعها بقلم منال علي
تاني يوم رحنا الشقة نجيب حاجتها.
لقينا هدوم مرمية، وأطباق متكومة في الحوض، وفواتير متأخرة، وصورة الفرح محشورة متنية جوه درج كأن الجوازة نفسها بقت حمل عليه.
ليلى مسكت الصورة وبصتلها بهدوء.
أنا كنت بضحك في الصورة دي عشان كنت فاكرة إن لو بقيت كويسة كفاية هيتغير.
بصّيت لها وقلت
الطيبة عمرها ما كانت كفاية تخلي القاسي يبطل قسوة.
وبينما هي بتجمع حاجتها لقيت نوتة صغيرة خاصة بكريم.
ما كانتش مذكرات كانت حسابات.
فتحناها.
وكانت الصدمة.
كاتب فيها مرتب ليلى بالتفصيل. وكل شهر محتاج ياخد منها كام. وأفضل الحجج اللي يخليها تدفع بيها ديونه. وملاحظات عن إزاي يخلّيها دايمًا حاسة إنها قليلة بقلم منال علي
وفي نص الصفحة جملة بخطه خلّت ليلى تتجمد مكانها
طول ما هي حاسة إنها وحشة عمرها ما هتسيبني.
ساعتها بس عرفت إن دي أكتر حقيقة مؤلمة.
كريم ما دمّرش بنتي بالغلط ده كان دارس ضعفها كويس.
وفجأة باب الشقة اتفتح.
كريم دخل وأول ما شاف النوتة مفتوحة على الترابيزة، وشه سحب لونه.
الكلام ده مالوش معنى.
ليلى بصّت له بس المرة دي ماكانش فيها انهيار.
كان فيها حزن هادي بارد.
معناه إنك عمرك ما حبيتني. إنت كنت محتاجني مكسورة عشان تعرف تعيش عليّا.
كريم حاول يزعق، لكن لأول مرة هي ما وطّتش راسها.
أنا هرفع قضية طلاق وما تحاولش تدور عليّا تاني.
ضحك بسخرية بقلم منال علي
ومين هيحبك بالشكل ده؟
ليلى أخدت نفس طويل.
وبهدوء يهز جبل قالت
أنا أنا هحب نفسي بالشكل ده. ومن هنا هبدأ.
وماكانش الطريق سهل.
الطلاق أخد شهور. مدام نادية فضلت تلف على الناس في مصر الجديدة والتجمع تقول إني بوّظت بنتي وخرّبت بيتها.
وكريم حاول يعمل نفسه ضحية.
بس النوتة والفواتير وشهادة الموظفين في الشركة كلهم حكوا الحقيقة.
وفي الآخر خسر جوازه، وخسر شغله، وخسر القناع اللي كان مستخبي وراه طول عمره.
أما ليلى فرجعت للشركة واحدة واحدة بقلم منال علي
في الأول كانت تتكلم بصوت واطي وتعتذر على كل حاجة. بعدها بدأت ترجع تدير المواقع بنفسها، وتراجع الرسومات الهندسية، وتضحك مع العمال وقت الغدا.
وفي يوم دخلت عليّا المكتب بفستان أحمر، وشعرها سايباه على ضهرها، ووشها فيه حياة ما شفتهاش من سنين.
ما قالتش أي كلمة
بس أنا عرفت إن بنتي بدأت ترجع لنفسها.
وبعد سنة
افتتحنا مشروع سكني كامل من تصميم ليلى.
وقفت قدام العمال والعملاء والسكان، ماسكة الميكروفون وإيديها بتترعش لكن صوتها خرج ثابت وقويبقلم منال علي
المشروع ده لكل شخص حس يوم إنه لازم يصغر نفسه عشان يتحب.
وأنا كنت بعيط في الصف الأول.
بعد الحفل، ليلى حضنتني جامد.
شكرًا إنك وقفتي جنبي الليلة دي يا ماما.
مسحت على شعرها زي ما كنت بعمل وهي صغيرة.
أنا بس فتحتلك الباب يا بنتي إنتِ اللي قررتي تخرجي.
ولحد النهارده لما أفتكر السفرة دي، لسه بسمع الضحك.
بس ما بقاش يوجعني زي زمان.
لأني كمان فاكرة الصمت اللي جه بعده وشكل كريم وهو بيتفضح وإيد بنتي وهي ماسكة إيدي وإحنا ماشيين.
أوقات الحقيقة بتيجي متأخرة وبتيجي قاسية وفي وسط ناس قلوبها مؤذية.
لكن لما بتظهر ممكن تنقذ عمر كامل.
ولو فيه ست بتقرأ الكلام ده دلوقتي وحد مقنعها إنها قليلة، أو إنها لازم ترضى بالفتافيت، أو إن محدش هيحبها غير بالشكل اللي هو عايزه
افتكري ليلى.
هي ما كانتش مكسورة
هي كانت محبوسة.
وأول يوم بطلت تستأذن عشان تعيش ابتدت فعلًا الحياة.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *