أرض بور

الأربعة عندهم ٧ سنين.
والأربعة عندهم نفس العينين الخضرا بتوع
عيلة الدمنهوري.
نفس العينين اللي بيعلقوا صورها في القصور ويتباهوا بيها في كل مناسبة.
بالليل
ماريان قفلت التلفزيون وبصتلهم بجدية خلتهم يسكتوا فورًا.
عايزة أكلمكم عن الكريسماس.
الأطفال بطلوا أكل.
إحنا مسافرين الشيخ زايد.
قالتها بهدوء.
وحان الوقت.
ليلى ضيقت عينيها.
وقت إيه؟
ماريان أخدت نفس طويل.
هتقابلوا باباكم.
الصمت نزل على السفرة.
آدم ثبت الشوكة في إيده.
ياسين بص في الطبق.
ملك فضلت تبص في وش أمها كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
أما ليلى قبضت إيديها الصغيرة بغضب.
تقصدي الراجل اللي سابك وإحنا لسه في بطنك؟
ماريان هزت راسها.
أيوه.
ياسين سأل بصوت واطي
هو يعرف إننا موجودين؟
ماريان بصتلهم واحد واحد.
لا
يا حبيبي هو مايعرفش أي حاجة.
آدم قام من كرسيه ووقف جنب أمه.
وحاول يبان قوي رغم إنه لسه طفل.
أنا مش هخليه يزعلك تاني.
ماريان حضنته، وللحظة القوة اللي بنتها طول ٨ سنين كادت تتكسر.
لكن للحظة بس.
هو ما يقدرش يأذيني تاني.
لمحة نيوز
همست وهي بتمسح على شعره.
مش بعد دلوقتي.
وبعدين بصت لأولادها الأربعة.
دلوقتي بقينا خمسة.
في آخر الليل
ماريان كانت بتحضر الشنط بإيد ثابتة.
هدوم الكريسماس.
الملفات.
شهادات الميلاد.
تحاليل ال.
أوراق المحكمة.
وصورة واحدة
صورة عيلة راغب حاولت تدفنها ٨ سنين كاملة.
ولا حد جوه قصر الدمنهوري كان يعرف اللي جاي.
لا راغب.
ولا أمه المتكبرة.
ولا القرايب اللي لسه فاكرين إن ماريان هي اللي مشيت عشان ماخلفتش.
كانوا محضرين عشا كريسماس عشان يكسروها.
وماكانوش يعرفوا إنها داخلة عليهم ومعاها ٤ أطفال
شايلين نفس وش راغب.
نفس دمه.
ونفس العينين الخضرا اللي العيلة بتعبدها.
ولما راغب شاف الأطفال واقفين جنبها
وشه شحب فورًا.
عرف.
قبل أي تحليل.
قبل أي كلام.
عرف إن دول ولاده.
لكن الصدمة الحقيقية
كانت عند أمه.
الكوباية وقعت من إيديها واتكسرت على الأرض.
ولأول مرة في حياتها
مدام دولت الدمنهوري كان شكلها مرعوب.
لأن ماريان ما رجعتش لوحدها.
رجعت ومعاها السر اللي ممكن يدمر اسم العيلة كلها.
وقفت ماريان في بهو القصر العظيم، شامخة بفستانها الأسود البسيط الذي يصرخ بالأناقة، وخلفها جيشها الصغير المكون من أربعة أطفال. كان الصمت
في القاعة يضاهي صمت القبور؛ حتى الموسيقى الهادئة بدت وكأنها توقفت خجلاً من الحقيقة التي تمشي على الأرض.
راغب كان يقف في منتصف القاعة، الكأس في يده تجمدت، وعيناه الخضراوان اللتان طالما افتخر بهما كانتا تنظران إلى أربع نسخ منه.. نفس الوقفة، نفس نظرة التحدي، ونفس الملامح التي لا تقبل الشك.



