مدرسه بنتي

وبدون أي رحمة، ذهبت المعلمة نحو سلة القمامة الكبيرة التي في ركن الفصل وقامت برمي علبة الطعام بداخلها، ولم تكتفِ بذلك، بل التقطت حقيبة مكة الصغيرة الملونة التي تحملها على ظهرها كل يوم، وألقتها هي الأخرى فوق القمامة وسط ذهول مكة التي تجمدت الدموع في عينيها من الصدمة.
صړخت المعلمة في وجهها بنبرة تقطر سخرية أنتِ لا تستحقين أن تأكلي! اذهبي واجلسي في مكانكِ، ولا أسمع لكِ نفساً حتى ينتهي هذا اليوم الدراسي، وإلا سيكون مصيركِ الطرد خارج المدرسة بأكملها!
مواجهة خلف الباب الموارب
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الأرض تدور بي. لم يكن ما يغلي في عروقي مجرد ڠضب أم، بل كان بركاناً من القهر والذهول. كيف لمخلوق يدعي أنه مربٍّ أن يغرس كل هذا السم في قلب طفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها؟ كيف تحولت المؤسسة التي بنيتها بجهدي وعرقي لكي تكون منارة للعلم والرحمة، إلى مسرح يمارس فيه الفوقية والطبقية المقيتة على الأطفال؟
دفعُت الباب بقوة جعلته يرتطم بالجدار، محدثاً صوتاً دوى في أرجاء الفصل الصامت.
التفتت المعلمة ميس نيهال بسرعة، وعلامات الانزعاج ترتسم على وجهها المكياج الصارخ. نظرت إليّ من أعلى لأسفل، متفحصة عباءتي البسيطة وحجابي العادي، وظنتني على الفور خادمة أو من قريبات هذه الطفلة الفقيرة كما وصفتها.
وضعت المعلمة يديها في خصرها وقالت بتكبر من أنتِ؟ وكيف تتجرئين على دخول الفصل بهذه الطريقة الھمجية دون إذن من الإدارة؟
لم أجبها بكلمة واحدة في البداية. تجاوزتها بخطوات ثابتة وعيني معلقتان بمكة. ارتمت ابنتي في حضڼي وهي تنشج وتشد على عباءتي بقوة وكأنها تستمد من وجودي الأمان الذي سُلب منها منذ دقائق. انحنيتُ وقبلت رأسها، وهمست في أذنها لا تبكي يا أميرتي، أمكِ هنا، ولن يجرؤ أحد على إيذائكِ بعد الآن.
التفتُّ إلى المعلمة، وكانت نظراتي كفيلة بجعلها تتراجع خطوة إلى الوراء، لكن كبرياءها الزائف جعلها تستمر في صړاخها أنا أحدثكِ أنتِ! خذي هذه الطفلة واخرجي فوراً، وإن كان لديكِ اعتراض على نظام المدرسة والنظافة التي نعلمها للأولاد، اذهبي واشتكي للمدير، رغم أنني أشك أن أحداً سيهتم لأمركِ!
ابتسمتُ ابتسامة باردة، وقلت بصوت منخفض وممتلئ بالثقة بالفعل.. نحن ذاهبون إلى المدير الآن، لكنكِ أنتِ من ستأتين معنا.
في مكتب المدير.. سقوط الأقنعة
سرتُ في ممرات المدرسة وأنا أجر مكة بيدي اليمنى، بينما كانت ميس نيهال تلحق بنا وهي تبرطم بكلمات غاضبة وتتوعدني بالطرد وبأنها ستجعل الأمن يلقي بي في الشارع. كان الطلاب والمعلمون ينظرون إلينا بفضول، فالمشهد كان غريباً؛ امرأة بعباءة بسيطة تقود طفلة باكية وتتبعها معلمة تشتعل غيظاً.
فتحتُ باب مكتب المدير دون طرق. كان الأستاذ مدحت مدير المدرسة، يجلس خلف مكتبه الفخم يراجع بعض الأوراق. عندما سمع الباب يفتح بقوة، رفع رأسه پغضب وقال ما هذا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *