التابوت بيهتز

وهيقلب عائلات كبيرة رأساً على عقب، استعدوا للمفاجآت اللي جاية لأنها فوق الخيال.
الصوان كله سكت.
حتى صوت القرآن في الخلفية بقى كأنه بعيد جداً.
كل العيون اتثبتت على نيرمين وهي راقدة على السرير المتحرك اللي جابه المسعفين.
أنا كنت ماسك إيدها ومش مصدق إنها عايشة.
لكن الجملة اللي قالتها خلت كل حاجة تانية تختفي من دماغي
دول كانوا عايزين يموتونا.
بلعت ريقي وسألتها بسرعة
مين يا نيرمين؟ مين اللي كان عايز يموتك؟
عينيها اتحركت ناحية رأفت بيه.
في اللحظة دي بالذات، شفت حاجة عمري ما شوفتها قبل كده.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
الراجل اللي طول عمره متحكم في كل حاجة كان واقف متجمد.
ونيرمين قالت بصوت متقطع
هو… هو يعرف…
قبل ما تكمل فقدت وعيها من جديد.
نقلناها فوراً للمستشفى تحت حراسة أمنية.
وأنا بصفتي ضابط تحقيق وطبيب شرعي طلبت تجميد كل أوراق الوفاة فوراً.
بعد ساعات بدأت أراجع الملف الطبي من أول وجديد.
وكل ما قرأت أكتر اكتشفت مصايب أكتر.
تحاليل متبدلة.
أوراق ناقصة.
توقيعات مزورة.
وأدوية اتكتبت باسم نيرمين لكنها عمرها ما أخدتها.
الموضوع كان أكبر من مجرد خطأ طبي.
كان فيه حد بيتعمد يدفن الحقيقة.
بدأت التحقيق الرسمي.
وأول شخص استدعيتُه كان الطبيب المعالج.
في البداية أنكر كل شيء.
لكن لما واجهته بالأدلة انهار.
وقال
أنا ما كنتش أقصد تموت… والله ما كنتش أقصد.
سألته
مين اللي دفعلك؟
سكت.
ثم قال اسم هز الدنيا كلها
رأفت بيه.
لكن القصة ما كانتش بالبساطة دي.
لما فتشنا مكتب رأفت بيه لقينا ملفات سرية ومستندات مخفية.
واكتشفنا السر اللي خلى نيرمين لازم تختفي.
قبل سنة كاملة كانت نيرمين شريكة قانونية في شركة استثمارات ضخمة ورثتها عن والدها الحقيقي.
شركة بمئات الملايين.
لكن رأفت بيه كان بيدير كل حاجة نيابة عنها.
ومع الوقت بدأ يسرق الأموال ويحركها لحسابات سرية.
المشكلة إن نيرمين اكتشفت كل شيء.
وكانت ناوية تبلغ الجهات المختصة.
بل وكانت جمعت أدلة كافية لإدانته.
ولما عرف إنها حامل بابنها الأول، خاف أكتر.
لأن الطفل كان هيبقى الوريث الشرعي لكل شيء.
وساعتها هتنكشف كل جرائمه.
خطة رأفت كانت شيطانية.
استغل حملها.
واتفق مع طبيب فاسد يعطيها دواء يسبب حالة نادرة جداً تشبه الوفاة.
نبض شبه معدوم.
تنفس بطيء للغاية.
وجسم يبدو كأنه ميت تماماً.
وكان الهدف إن تُدفن قبل ما تستعيد وعيها.
ثم يتم تسجيل الوفاة بشكل طبيعي.
وتنتقل السيطرة الكاملة على الأموال إليه.
للأبد.
لكن اللي ما حسبوش…
إني كنت طبيب شرعي.
وإني كنت بحب نيرمين لدرجة حفظت كل تفصيلة فيها.
عشان كده شكي ما راحش.
وعشان كده لاحظت التناقضات.
وعشان كده ربنا كتب إنها ترجع للحياة قبل تنفيذ الجريمة بالكامل.
بعد أيام بدأت نيرمين تستعيد صحتها.
وأول ما بقت قادرة على الكلام سجلنا شهادتها كاملة.
أكدت كل حاجة.
وحكت إزاي سمعت رأفت والطبيب بيتكلموا قبل ما تفقد الوعي.
وحكت إزاي كانت واعية جزئياً وهي متغطية بالكفن.
كانت سامعة الأصوات حواليها.
لكن جسمها ما كانش قادر يتحرك.
مجرد التفكير في الرعب اللي عاشته كان كفيل يخليني ما أنامش ليالي.
القضية انفجرت في الإعلام.
الصحف اتكلمت.
والقنوات نقلت التفاصيل لحظة بلحظة.
وتم القبض على رأفت بيه والطبيب وثلاثة موظفين شاركوا في تزوير الأوراق.
وخلال المحاكمة ظهرت أدلة جديدة.
حسابات سرية.
رشاوى.
تزوير عقود.
واختلاسات بالملايين.
وفي النهاية صدر الحكم.
السجن المؤبد لرأفت بيه.
وأحكام طويلة لباقي المتورطين.
وانتهى نفوذ الرجل الذي كان يظن أنه فوق القانون.
بعد ستة أشهر.
دخلت غرفة الولادة وأنا أرتجف أكتر مما ارتجفت يوم العزاء.
لكن المرة دي من الفرح.
وصوت بكاء طفل صغير ملأ المكان.
الممرضة خرجت وهي مبتسمة.
وقالت
مبروك يا دكتور… جالك ولد.
دخلت الغرفة.
لقيت نيرمين حاضنة ابننا.
وعيونها مليانة دموع.
لكن دموع سعادة.
قعدت جنبها.
ومسكت إيدها.
وقلنا من غير اتفاق
الحمد لله.
بعد سنوات.
كبر ابننا.
وكان كل ما يسألنا
إزاي اتقابلتوا؟
نبص لبعض ونضحك.
لكن لما كبر شوية حكينا له الحقيقة.
حكينا له إن أمه رجعت من على حافة الموت.
وإن العدالة انتصرت.
وإن الحقيقة مهما اتدفنت…
لازم في يوم ترجع للنور.
وفي ذكرى الحادث كل سنة، كنا نزور نفس المسجد اللي كان فيه العزاء.
نقف دقيقة صمت.
ثم نمشي.
مش علشان نفتكر الرعب.
لكن علشان نفتكر المعجزة اللي أنقذت أسرتنا.
وفي كل مرة كانت نيرمين تمسك إيدي وتبتسم.
وأعرف ساعتها إن النهاية السعيدة أحياناً بتبدأ من أحلك لحظة ممكن يتخيلها الإنسان.
تمت

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *