بنتي الصغيره

في ضواحي الجيزة، وبامسحوا بكرامته الأرض عشان لقمة العيش.
روحنا هناك.. وأول ما شفته، قلبي اتقطع حتت. علي.. ابن العز والشياكة، واقف بهدوم شحم متبهدلة، وشه دبلان، وعينيه فيها كسرة تخلي الحجر يعيط. أول ما شافنا، ملامحه اتقلبت خشب.. لا عيط، ولا زعق، ولا جِري علينا. وقف مكانه زي الصنم.
أحمد أبوه وطى على إيده وباسها قدام الأسطى والعمال وهو بيبكي سامحني يا ابني.. أختك بتموت، ومحدش هينقذها غيرك.. تعالا معايا المستشفى يبوس على رجلك.
علي بص لنا بنظرة غامضة.. نظرة خالية من أي مشاعر، وقال ببرود يرعب ماشي.. هأجي معاكم عشان فريدة.
المواجهة في الرعاية المركزة
وصلنا المستشفى، ودخلنا أوضة العناية المركزة. فريدة كانت فايقة بالعافية، الخراطيم في كل حته في جسمها الضعيف، ووشها أصفر زي الليمونة. أول ما شافت علي داخل من الباب، عينيها وسعت وبدأت تترعش وتعيط بهستيريا.. دموعها نزلت وخلت جهاز النبض يصفر بسرعة.
علي قرب منها، وقف جمب السرير، وحط إيده في جيبه من غير ما يلمسها.
فريدة شاور تله بإيدها المكتوفة بالخراطيم وقالت بصوت مخنوق ومتقطع
سامحني يا علي.. أنا كدبت.. والله العظيم كدبت! إنت ما لمستنيش.. أنا يومها كنت زعلانة منك عشان زعقتلي وما خليتنيش أنزل ألعب مع أصحاب العمارة.. مكنتش أعرف إن بابا هيضربك ويطردك.. كنت خايفة أقول الحقيقة بعد ما شوفت الدم نازل من وشك.. سامحني يا أخويا.. أنا اللي خربت بيتنا!
الصدمة شلتنا.. أنا وأحمد بصينا لبعض، وحسينا إن الأرض بتنشق وتبلعنا. السنتين اللي فاتوا، الظلم اللي ظلمناه لابننا، الكوابيس، الدعاء عليه في كل صلاة.. كله كان مبني على كدبة طفولية طايشة!
أحمد رمى نفسه تحت رجلين علي يا ابني اضربني.. أقتلني.. بس أنقذ أختك.. البنت بتموت!
وأنا قعدت ألطم على وشي وأبوس في جزمته ونفسي يسامحنا.
علي بص لفريدة وهي بتعيط، وبص لنا وإحنا منهارين تحت رجليه. ملامحه ماتهزتش.. مفيش دمعة واحدة نزلت من عينه. لف ضهره بكل هدوء، ومشي ناحية الباب، وقبل ما يخطى العتبة، التفت لينا وقال بأقسى صوت ممكن إنسان يسمعه
أنا جيت بس عشان أسمع الكلمتين دول وأرتاح من نظرة الشك اللي كانت في عينكم.. أما بخصوص التبرع.. فماتستنوش مني حاجة تانية.. أنا بالنسبالكم ميت من سنتين.. دبروا حالكم.
الفيس بوك.. والقنبلة اللي انفجرت في وشنا
خرج وسابنا في نار جهنم. فريدة حالتها بتتدهور، والوقت بيجري.. وبدافع اليأس الأعمى والغل، فكرت بطريقة غبية. قولت لنفسي أنا هفضح الكبر بتاعه وأخلّي الرأي العام يضغط عليه!
دخلت على أكبر جروبات الفيس بوك في مصر، وكتبت بوست طويل عريض، حطيت فيه اسمه الكامل وصورته، وكتبت
يا ناس.. يا أهل الخير.. ده ابني علي، أخته الصغيرة بتموت ومحتاجة فص كلى فوراً وهو رافض ينقذها وقاسي قلبه عليها وعلينا، وبسببه بنتي بتضيع قدام عيني.. يرضي ربنا الأخ يموّت أخته عشان قساوة قلبه؟ شيروا البوست عشان يوصله ويحس!
البوست انتشر زي النار في الهشيم. . آلاف الشيرات والتعليقات في دقايق.. الناس بدأت تشتم فيه وتدعي عليه، وبقى تريند في أقل من ساعتين، وكل مصر بتتكلم عن الابن العاق اللي ساب أخته تموت. كنت فاكرة إني كده كسبت، وإنه هيضطر ييجي تحت ضغط الناس.
لكن.. بعد أربع ساعات بالظبط، الدنيا اتقلبت راساً على عقب.
علي نزل فيديو على صفحته الشخصية، والصفحات الكبيرة خدته ونشرته. الفيديو كان مدته دقيقتين بس، دقيقتين هدوا المعبد على اللي فيه.
علي ظهر في الفيديو، قاعد في أوضته الضلمة المبهدلة، لابس هدوم الشغل.. اتكلم بهدوء وثقة مرعبة، وقال
سلام عليكم يا جماعة.. أنا علي اللي صورتي مالية الفيس بوك دلوقتي والكل بيدعي عليا وبتقولوا عليا عاق ومعنديش قلب. الست اللي نشرت صورتي دي تبقى أمي.. اللي طردتني من سنتين في نص الليل بالهدوم اللي عليا عشان كدبة، من غير ما تسمعني، ومنعت عني مصاريف كليتي وتبرت مني هي وأبويا.
أنا لفيت في الشوارع، جعت ونمت على الرصيف، لحد ما اتقفلت في وشي كل الطرق، ومكنتش ملاقي آكل ولا أدفع إيجار الأوضة اللي لمّاني، وكنت هترمي في السجن بسبب ديون المصاريف.
وهنا.. علي وقف قدام الكاميرا، ورفع التيشيرت بتاعه.. وظهر جرح طويل قديم ومخيط في جنبه اليمين! شاور على الجرح وقال والدموع لأول مرة تلمع في عينه
شايفين الجرح ده؟ دي عملية نقل كلى.. أنا بعت كليتي اليمين من سنة ونص لسيرلانكي في مستشفى تحت السلم عشان أقدر أعيش، وأشتري لقمة، وأسدد ديوني بعد ما أهلي رموني. . أنا معنديش غير كلية واحدة بس عايش بيها بالعافية.. والست اللي بتقول إني عاق، عاوزاني أتبرع بالكلية الوحيدة اللي فاضلة لي وأموت أنا عشان تعيش بنتها اللي دمرت حياتي بكدبتها.. دلوقتي أنا بسألكم.. مين فينا اللي معندوش قلب؟
نهاية السحر على الساحر
الفيديو نزل كالصاعقة.. الكومنتات والشتايم كلها اتقلبت في ثانية.. بس المرة دي علينا إحنا. الناس بدأت تدعي علينا، ويتهمونا بالظلم والقسوة، وبقيت أنا وأحمد أكتر اتنين مكروهين ومبوذين في مصر كلها. تليفوناتنا مابطلتش رن من ناس غريبة بتشتمنا وبتبصق علينا، وأقاربنا اتصلوا يتبروا مننا ومن قساوتنا.
أحمد جوزي، لما شاف الفيديو، جاله شلل مؤقت في إيده ورجله وسقط على الأرض مش قادر ينطق، باصص للسقف ودموعه بتنزل في صمت.
وأنا؟ كنت واقفة لوحدي في الممر الضلمة بتاع المستشفى.. تليفوني في إيدي والشتائم بتنزل عليا زي المطر من ملايين البشر.. وبصيت من زجاج الرعاية المركزة على فريدة..
مؤشرات جهاز نبض قلبها كانت بتنزل ببطء.. خطوة ورا خطوة.. بييب… بييب… بييب…
والساعة بتعدي.. والوقت بيخلص.. والكلية اللي هتنقذها خلاص مش موجودة في الدنيا.. ضاعت يوم ما رمينا ابنا في الشارع.
تفتكروا دي النهاية المستحقة لأم وأب ظَلموا حتة من قلبهم؟ وإيه اللي ممكن يحصل لفريدة في الساعات اللي فاضلة؟ وهل علي هيرضى يسامحنا ويقف جمبنا في الجنازة اللي شكلها قربت.. ولا خلاص، الخيط اتقطع للأبد؟
لمتابعه باقي القصه شوف الجزء الاخير منها

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *