يوم جنازه

بعد مرور جنازة والدي، توقفت ممرة الرعاية النفسية لدي خارج الكنيسة وقالت طلب مني الانتظار حتى اليوم قبل أن أخبرك بما حدث حقًا في الليلة التي اختفت فيها ابنتك.
في الستة أشهر الأخيرة من حياة والدي، زرتُه تقريبًا كل يوم في الممرة النفسية. حتى عندما كان ضعيفًا جدًا ليتكلم، كان دائمًا يمدح يدي. كان يعلم أنني لا أزال أحمل أعمق الألم في حياتي.
قبل خمس سنوات، اختفت ابنتي البالغة من العمر خمس سنوات، أبيغيل، دون أن تترك أي أثر.
في اللحظة التي كانت تلعب فيها في حديقتنا الخلفية بينما كان والدي يراقبها. في اللحظة التالية، اختفت.
لقد بحثت الشرطة لعدة أشهر. التطوعيون في الغابة، في الأحياء القريبة، وكل بوصة من البحيرة أقل من ميل منزلهم.
لم يجدوا شيئًا. لا شهود. لا دليل. لا إجابة. التحقيق أصبح باردًا، لكن حياتنا لم تتحرك.
والدي كان يلوم نفسه كل يوم. كان يصر على أنه نظرت فقط لمدة دقيقة، ولم يكن يصدق ذلك.
لقد قضيت سنواتًا في إخبارها نفس الشيء مرارًا وتكرارًا أنّه لم يكن مسؤولًا عن ذلك، وأنّه كان يمكن أن يمنع أي شيء مروع في العالم.
لكن لا أزال لا أصدق ما قلتُه.
قبل يوم من الأيام، توفي والدي.
بعد جنازته، بدأت الناس يغادرون الكنيسة بينما كنت أقف خلفها لبضع دقائق، محاولًا أن أتجمع نفسي قبل أن أمشي إلى سيارتي.
فجأة نظرت إليها مباشرة في العينين، وقلت
طلب مني والدي أن أتظر حتى اليوم قبل أن أخبرك بما حدث حقًا الليلة التي اختفت فيها ابنتك.
اقرأ بقية هذه القصة في التعليق الأول بعد ما قالت الجملة دي، حسيت إن الأرض بتميد بيا.
بصيتلها ومقدرتش أنطق.
كل اللي خرج مني كان همسة
حقيقة إيه؟
الممرضة اتلفتت حواليها كأنها بتتأكد إن محدش سامع، وبعدها طلعت من شنطتها ظرف أصفر قديم، أطرافه متنية وعليه اسم أبويا بخط إيده.
قالت بهدوء
الظرف ده كان تحت عهدتي لمدة

خمس سنين. وصاني محدش يشوفه غيرك… وبعد وفاته بس.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخده منها.
كان مقفول بشمع أحمر قديم، وعليه جملة واحدة
لو وصلت للرسالة دي… يبقى سامحت نفسيش لحد آخر يوم في عمري.
قلبي بدأ يدق بعنف.
فتحت الظرف بسرعة.
لكن قبل ما ألاقي أي ورقة، وقع منه مفتاح صغير صدئ، مربوط فيه ميدالية خشب محفور عليها حرفين
A B
نفس الحرفين اللي كانوا مكتوبين على السلسلة الصغيرة اللي أبيجيل كانت لابساها يوم اختفت.
جسمي كله اتجمد.
رفعت المفتاح قدام الممرضة وأنا بسألها
ده إيه؟
قالت وهي بتحاول تسيطر على دموعها
أبوك كان كل ليلة يطلعه ويبصله، ولما كنت أسأله يقول لسه معاد الحقيقة مجاش.
بصيت جوه الظرف تاني.
لقيت ورقة واحدة.
لكن قبل ما أقرأها، لفت نظري إن فيه جزء منها متقطع… كأن صفحة كاملة كانت متشالة.
سألتها بسرعة
فين باقي الرسالة؟
الممرضة سكتت كام ثانية، وبعدين قالت
لأن الرسالة أصلًا كانت صفحتين… لكن قبل وفاة أبوك بيوم واحد، حد دخل أوضته وهو نايم، ولما فتشنا بعد كده لقينا الصفحة التانية اختفت.
حسيت ببرودة سرت في جسمي.
إزاي يعني؟ مين دخل؟
ردت وهي بتبص بعيد
إحنا راجعنا كاميرات دار الرعاية… والغريب إن الشخص اللي دخل كان لابس كاب وجاكيت واسع، وفضل جوه أقل من دقيقة… لكن الكاميرا اللي قدام باب الأوضة عطلت بالظبط في الوقت ده.
اتنفست بصعوبة.
يعني فيه حد… لحد النهارده… خايف الحقيقة تظهر.
فتحت الصفحة الوحيدة، وكانت أول سطر فيها كفيل يخليني أحس إن حياتي كلها كانت مبنية على سر مرعب.
كان مكتوب بخط أبويا
أنا ما فقدتش أبيجيل في ثانية غفلة… أنا شفت اللي أخدها بعيني… لكن لو كنت اتكلمت وقتها، كان حد تاني هيدفع التمن وقفت مكاني وأنا مش قادرة أكمل القراءة.
الكلمات كانت بتتهز قدام عيني.
رجعت أبص للممرضة وقلت بانفعال
يعني أبويا كان عارف مين؟! وسكت خمس سنين؟!
هزت راسها ببطء وقالت
كمّل الرسالة… يمكن تلاقي الإجابة.
بلعت ريقي، وكملت.
الشخص اللي شوفته ماكنش غريب… وده اللي خلاني أتجمد مكاني. حاولت أجري وراه، لكن قبل ما أوصل، بصلي نظرة واحدة فهمتني إن أي حركة غلط هتدمر حياة ناس كتير.
توقفت تاني.
الجملة كانت ناقصة.
بعدها مباشرة مكان الصفحة المقطوعة.
ضربت الورقة بإيدي وأنا بقول
مين هو؟! ليه الصفحة دي هي اللي اختفت؟!
الممرضة قالت
فيه حاجة تانية أبوك سلّمهالي… بس قالي ما أديهالكش إلا لو قريتي الرسالة للنهاية.
طلعت من جيبها مفتاح تاني، أصغر من الأول، ومعاه كارت مكتوب عليه عنوان قديم خارج المدينة.
قالت
العنوان ده مخزن صغير. أبوك كان بيدفع إيجاره كل شهر، وحتى بعد ما دخل دار الرعاية رفض يلغيه.
استغربت وسألتها
كان مخبي فيه إيه؟
ردت
معرفش… لأنه عمره ما سمح لحد يدخله.
في نفس اللحظة، رن موبايلي.
رقم مجهول.
كنت هقفل المكالمة، لكن حاجة جوايا قالتلي أرد.
أول ما فتحت، سمعت صوت راجل خافت جدًا قال
لو معاك رسالة أبوكي… متروحيش للمخزن.
اتجمدت.
قلت بسرعة
إنت مين؟
رد
لأن أول واحد هيوصل هناك… مش هيلاقي الحقيقة… هيلاقي اللي مخبي الحقيقة مستنيه.
وقبل ما أسأله أي سؤال…
قفل الخط.
بصيت للممرضة، لقيت لون وشها اتغير.
همست وهي باصة للموبايل في إيدي
مستحيل…
قلت بقلق
إيه اللي مستحيل؟
قالت بصوت مرتعش
نفس الجملة دي… اتقالت لأبوك في تليفون قبل خمس سنين… في الليلة اللي اختفت فيها أبيجيل ركبت عربيتي أنا والممرضة من غير ما نتكلم.
العنوان كان على بعد حوالي نص ساعة.
طول الطريق، كنت حاسة إن في عربية سودا ماشية ورانا بنفس المسافة.
كل ما أبطّأ… تبطّأ.
وكل ما أسرّع… تسرّع.
بصيت في المراية وقلت للممرضة
شايفة العربية دي؟
بصت ورا، وسكتت ثواني، وبعدها قالت
هي دي… نفس العربية اللي كانت واقفة قدام دار الرعاية قبل وفاة أبوك بيوم.
قلبي انقبض.
وصلنا للمخزن.
مكان قديم، بابه الحديد مليان تراب، واضح إنه ما اتفتحش من سنين.
طلعت المفتاح الكبير من جيبي.
لفيته…
وبعد محاولتين، الباب فتح بصوت صرير عالي.
أول ما دخلنا، استقبلتنا ريحة خشب قديم ورطوبة.
المكان كان شبه فاضي.
كراتين، مكتب مكسور، ورفوف عليها بطاطين قديمة.
وقلت لنفسي
معقول أبويا كان مأجر المكان ده خمس سنين عشان ده بس؟
الممرضة أشارت ناحية المكتب وقالت
استني…
قربنا.
كان فيه خدوش غريبة على الأرض، كأن المكتب بيتحرك كل فترة.
زقيناه سوا.
وفجأة…
ظهر باب حديد صغير في الأرض، عليه نفس الحرفين المنقوشين على الميدالية
A B
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح الصغير.
دار بسهولة.
واتفتح الباب.
كان تحته سلم نازل لتحت.
نزلنا بحذر، وكل خطوة كان صداها بيرجع في المكان.
في آخر السلم، لقينا أوضة صغيرة.
فيها دولاب حديد، وطاولة، وجهاز تسجيل كاسيت قديم.
وفوق الطاولة ظرف مكتوب عليه
لو وصلت لحد هنا… يبقى حد حاول يمنعك، لكنه فشل.
بجانب الظرف، كان فيه شريط كاسيت وعليه ورقة صغيرة
اسمع التسجيل قبل ما تفتح أي ملف.
مديت إيدي ناحية جهاز التسجيل.
لكن قبل ما ألمسه…
سمعنا صوت الباب الحديد اللي فوق بيتقفل بعنف.
وبعدين…
صوت خطوات بطيئة… بتنزل السلم واحدة… واحدة… واحدة…اتجمدنا في مكاننا.
الممرضة همست وهي بتحاول متطلعش صوت
إطفي الكشاف.
نفذت كلامها بسرعة.
الأوضة غرقت في الضلمة، وما بقاش باين غير خيط نور بسيط جاي من فتحة السلم.
الخطوات كانت بتقرب…
درجة…
وبعدين درجة تانية…
لحد ما وقفت.
عدت ثواني طويلة، ولا نفس واحد كان بيتسمع غير أنفاسنا.
وفجأة…
سمعنا صوت رجل بيقول بهدوء
عارف إنكم هنا.
بصيت للممرضة، لقيتها حاطة إيدها على بقها.
الصوت كمل
خدوا اللي جيتوا عشانه. .. لكن افتكروا إن الحقيقة ليها تمن.
وبعدها…
سمعنا الخطوات وهي بتبعد تاني، والباب الحديد فوق اتفتح واتقفل.
استنينا دقايق قبل ما نتحرك.
لما
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *