يوم جنازه
اتأكدنا إن المكان هادي، شغلت جهاز الكاسيت.
طلع صوت تشويش لثواني…
وبعدين سمعنا صوت أبويا.
كان صوته أضعف من أي وقت، لكنه واضح.
لو بتسمع التسجيل ده… يبقى أنا مش موجود. ولو قدرت توصل للمكان ده، اعرف إن في ناس كانت بتحاول تمنع الرسالة توصل ليك.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا كتبت أسماء، وتواريخ، وكل اللي قدرت أوثقه. لكن أهم حاجة مش الورق… أهم حاجة الصندوق الحديد اللي تحت الطاولة.
بصيت تحت الطاولة.
كان فيه صندوق صغير مقفول بقفل قديم.
فتحناه بالمفتاح التاني.
جواه ملف بني سميك، وصور، وخريطة مرسوم عليها مكان واحد متعلم عليه بدائرة حمرا.
وفي آخر الملف، ظرف أبيض مكتوب عليه بخط كبير
ممنوع تفتح الظرف ده إلا بعد ما تشوف الصور كلها.
فتحت الملف بحذر.
أول صورة كانت لجنينة بيتنا… يوم اختفاء أبيجيل.
تاني صورة كانت لأبويا واقف في نفس الجنينة.
أما الصورة التالتة…
فخلت الدم يتجمد في عروقي.
لأنها كانت ملتقطة في نفس يوم الاختفاء…
وكانت بتبين بوضوح إن شخصًا كان واقف خلف سور الجنينة، بيراقب المكان من بعيد…
لكن وشه كان متعمد يستخبى في ظل شجرة، كأن اللي صور الصورة كان عارف إن اليوم ده هيبقى بداية لغز هيستمر سنين قلبت الصورة بإيد مرتعشة.
على ضهرها كان مكتوب بخط أبويا
دي أول صورة قدرت أخدها… لكن مش أهم واحدة.
بدأت أقلب باقي الصور بسرعة.
كل صورة كانت متصورة في أيام مختلفة.
مرة عربية واقفة بعيد عن البيت.
مرة نفس الشخص تقريبًا، لكن لابس هدوم مختلفة.
ومرة صورة للجنينة بالليل…
وفي آخر الصورة، كان فيه انعكاس في إزاز العربية.
كبرت الصورة وقربتها من النور.
الممرضة شهقت وقالت
استني… بص هنا.
كان فيه انعكاس لساعة يد مميزة جدًا.
ساعة بميناء أزرق، وإطار فضي، وفيها خدش واضح عند الرقم 11.
قالت الممرضة
أنا شفت الساعة دي قبل كده.
لفيت لها بسرعة.
فين؟
قالت وهي بتحاول تفتكر
قبل وفاة أبوك بأسبوع… الشخص اللي جه يزوره في دار الرعاية كان لابس نفس الساعة.
مين كان؟
هزت راسها بأسف.
للأسف، كان لابس كمامة وكاب، وكتب اسمه في دفتر الزيارات بخط غير واضح.
جريت على الملف.
يمكن ألاقي أي ورقة عن الزيارة.
وفعلًا…
كان فيه إيصال صغير من دار الرعاية.
أبويا كان محتفظ بيه.
وفيه رقم غرفة… وتاريخ… وتوقيت الزيارة.
لكن اسم الزائر كان متشطب عليه بالقلم الأسود.
في اللحظة دي افتكرت حاجة.
دار الرعاية أكيد عندها دفتر زوار أصلي.
لو الاسم اتشطب على النسخة دي، يمكن النسخة الأصلية لسه موجودة.
بصيت للممرضة.
قالت قبل ما أتكلم
أنا فهمت إنتِ بتفكري في إيه… أول ما تفتحي الدار الصبح، هنراجع الدفاتر القديمة.
كنت لسه هلم الملف…
لكن لقيت ظرف صغير وقع من بين الأوراق.
الظرف ماكنش مكتوب عليه غير كلمة واحدة
اعتذار.
فتحته ببطء.
كان جواه خطاب قصير بخط أبويا
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتي إني ماكنتش ساكت خوفًا على نفسي… كنت ساكت لأن في طفل تاني كانت حياته في خطر، وكان لازم أحميه لحد ما يبقى قادر يتكلم بنفسه.
وقفت مكاني.
طفل تاني؟
يعني اختفاء أبيجيل… ماكانش الحادث الوحيد.
وقبل ما أستوعب معنى الكلام…
سمعنا صوت محرك عربية وقف قدام المخزن.
وبعدين…
نور كشاف قوي دخل من شقوق الباب الحديد.
وصوت حد بيخبط ثلاث خبطات بطيئة…
نفس الطريقة اللي أبويا كان بيخبط بيها على باب بيتنا… لكن الصوت اللي جه بعدها كان لشخص غريب قال
معايا الرسالة اللي اتسرقت من أوضة أبوكي… ولو عايزين تعرفوا اللي مكتوب فيها، افتحوا الباب أنا والممرضة بصينا لبعض.
ولا واحدة فينا اتحركت.
الصوت رجع تاني، المرة دي أهدى
أنا مش عدوكم… ولو اتأخرتوا دقيقة، هتمشوا من هنا من غير أهم دليل.
همست الممرضة
ما تفتحيش.
لكن فضولي كان أقوى.
قربت من الباب الحديد بحذر، ومن غير ما أفتحه، قلت
إنت مين؟
رد بعد ثواني صمت
واحد وعد أبوكي بوعد… واتأخرت خمس سنين في تنفيذه.
قلت بحدة
ولو معاك الصفحة، ليه ما سلمتهاش من زمان؟
تنهد وقال
لأن أبوكي طلب مني أستخبى. كان متأكد إن اللي بيدور على الصفحة هيفضل يراقب أي حد يقرب منكم.
الممرضة قربت من فتحة صغيرة في الباب، وبصت برا.
رجعت بسرعة وهمست
واقف لوحده… لكنه مش باين وشه.
سألته
إيه الدليل إنك بتقول الحقيقة؟
مد إيده من تحت الباب، وزق ظرف قديم للداخل.
التقطته بسرعة.
كان نفس نوع الورق اللي لقيته في رسالة أبويا.
وعليه نفس ختم الشمع الأحمر.
فتحت الظرف.
كان جواه نصف ورقة… والحواف الممزقة كانت مطابقة تمامًا للرسالة اللي معايا.
وصلت الجزءين ببعض.
وبقيت الرسالة كاملة لأول مرة.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش
أنا شفت الشخص وهو خارج من الجنينة، لكنه ماكانش لوحده… كان فيه طفل تاني واقف بعيد، مستخبي وبيبكي. الطفل ده شاف كل حاجة، لكن كان مرعوب لدرجة إنه مقدرش ينطق بكلمة. وعدته إني هحميه، وإن اسمه هيفضل سر لحد ما يكبر ويبقى قادر يحكي بنفسه.
سكت لحظة.
وكملت السطر الأخير
ولو الرسالة دي وصلت ليك، يبقى الطفل ده بقى راجل… وهو الوحيد اللي يقدر يكمل الحقيقة من المكان اللي أنا وقفت عنده.
اتجمدت.
يعني بعد خمس سنين…
فيه شاهد عيان حي.
واحد شاف اللي حصل بعينه.
لكن قبل ما أرفع رأسي…
سمعنا صوت اهتزاز موبايل الممرضة.
بصت للشاشة، وفجأة شحب وشها.
ناولتهولي من غير كلمة.
كانت رسالة قصيرة من رقم مجهول، مكتوب فيها
متسألوش عن الشاهد… لأنه اختفى من بيته النهارده الصبح حسيت إن قلبي وقف لحظة.
بصيت للرسالة مرة واتنين، يمكن أكون قريتها غلط.
لكن الكلمات كانت واضحة.
اختفى من بيته النهارده الصبح.
رفعت عيني للرجل اللي واقف بره الباب.
فتحت الباب بسرعة قبل ما يختفي.
كان واقف في آخر الخمسينات من عمره، لابس جاكيت رمادي وكاب نازل على عينه.
أول ما شافني، شال الكاب بهدوء وقال
أنا اسمي عادل… وكنت صديق أبوكي من أكتر من تلاتين سنة.
الممرضة بصت له بدهشة وقالت
إنت… إنت الشخص اللي كنت بتيجي تزور الأستاذ في دار الرعاية؟
هز رأسه وقال
أيوه… وأنا اللي أخدت الصفحة التانية.
صرخت فيه
ليه؟! ليه تعمل كده؟
قال وهو بيبص على الأرض
لأن الصفحة كان فيها اسم الشاهد وهو طفل. ولو كانت وقعت في إيد الشخص الغلط، كان زمانه مات.
سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه مفكرة جلد صغيرة.
ناولها لي.
دي كانت عند أبوكي… وفيها كل مقابلة عملها مع الشاهد على مدار السنين.
فتحتها.
كان فيها تواريخ متفرقة.
كل سنة تقريبًا، فيه ملاحظة قصيرة.
لسه بيرفض يتكلم.
بدأ يفتكر تفاصيل جديدة.
طلب وقت.
قال إنه هيحكي كل حاجة لما يحس إنه آمن.
آخر صفحة كانت مكتوبة قبل وفاة أبويا بأيام.
وفيها سطر واحد فقط
أخيرًا… وافق يقابلها بنفسه.
شهقت.
يقابلني أنا؟!
عادل هز رأسه.
كان المفروض يحصل بعد جنازة أبوكي بثلاثة أيام.
طيب فين هو دلوقتي؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
اختفى قبل الموعد بساعات.
في اللحظة دي، لفت نظري حاجة في آخر المفكرة.
كان فيه جيب صغير مخبي بطاقة قديمة.
سحبتها.
طلعت بطاقة مكتبة عامة.
على ظهرها عنوان، وميعاد مكتوب بخط أبويا
الساعة 11 صباحًا… يوم الجمعة.
وتحتها جملة غريبة
لو مجاش… دوروا بين الكتب اللي محدش بيفتحها.
بصيت لعادل.
قلت
يعني إيه الكلام ده؟
رد بهدوء
دي كانت الجملة السرية اللي اتفقنا عليها. لو الشاهد حس إن حد بيراقبه، كان هيسيبلنا رسالة في مكان محدد داخل المكتبة.
الممرضة قالت بقلق
يبقى لازم نروح قبل أي حد.
عادل هز رأسه، لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
كان بيبص ورايا.
لفيت بسرعة…
ولقيت باب المخزن الخارجي مفتوح، رغم إننا كنا قفلناه من دقائق.
والملف البني… اللي كان فيه الصور والأوراق…
اختفى من فوق الطاولة جريت ناحية الطاولة.
قلبت كل حاجة فوقها.
فتحت الأدراج، وبصيت تحتها.
مفيش.
الملف اختفى فعلًا.
الممرضة قالت وهي بتلف حوالين نفسها
محدش





