الامومه اختيا حكايات اسما

بعد الحفل رجعنا البيت متأخر. الشقة كانت هادية زي العادة، بس الليلة دي كان في شعور مختلف في الجو. كريم حط الدرع على السفرة وقال وهو بيضحك:
– فاكرة أول مرة دخلت بيتك؟
ابتسمت وقلت:
– فاكرة إني كنت مرعوبة أكتر منك.
قعدنا نشرب شاي، ولأول مرة حسيت إن المسافة بين “مس مريم” و“ماما” اختفت تمامًا.
بعد شهور قليلة، سافر كريم ألمانيا عشان يبدأ الدكتوراه. يوم السفر في مطار القاهرة كان من أصعب الأيام في حياتي. كنت بحاول أبان قوية، لكن قلبي كان بيتقبض.
قال لي قبل ما يدخل بوابة السفر:
– إنتي مش فقداني ابن… إنتي بتصدريه للعالم.
ضحكت رغم الدموع.
– بس ترجعلي سليم.
من يومها بقينا نتكلم كل يوم تقريبًا. فيديو كول من شقته الصغيرة في برلين، يحكي عن المعمل، عن أبحاثه، عن إحساسه بالغربة. وفي كل مرة كان بيقول:
– البيت هناك… مش هنا.
بعد سنتين، حصل على جائزة بحثية كبيرة. اتعرض عليه عقد في وكالة فضاء أوروبية. ناس كتير كانت هتعتبر ده نهاية الرحلة… النجاح الكامل.
لكن كريم رجع مصر فجأة في إجازة طويلة.
قلت له:
– حصل حاجة؟
قال وهو بيبصلي بجدية:
– آه. حصل إني فاهم دلوقتي إنتي عملتي إيه عشاني. وأنا عايز أعمل حاجة شبهها.
بدأ يشتغل على مشروع لتأسيس برنامج دعم للطلبة المتفوقين اللي ظروفهم المادية صعبة. تعاون مع وزارة التربية والتعليم، ومع مدارس حكومية، وبدأ يزور الفصول بنفسه.
وفي يوم، كنت واقفة في مؤخرة فصل براقبه وهو بيشرح للأطفال عن النجوم. فجأة شفت في عينيه نفس اللمعة اللي كانت موجودة زمان وهو قاعد في أول صف عندي.
بعد الحصة، جه ولد صغير وسأله:
– هو ينفع أبقى عالم فضاء وأنا من هنا؟
كريم ركع قدامه وقال:
– ينفع… لو لقيت حد يشوفك.
الكلمة دي رجعتني سنين لورا.
بعد سنة، افتتح مركز تعليمي باسمي. كتب على اللوحة:
“مركز مريم للعلوم – لأن فرصة واحدة ممكن تغير حياة كاملة.”
لما قص الشريط، مسك الميكروفون وقال:
– زمان حد شافني وأنا في أسوأ لحظة في حياتي… وما مشيش. أنا النهارده بوعد أي طفل يدخل هنا إننا مش هنمشي.
وقفت وسط التصفيق، وافتكرت ليلة الجراج، والولد اللي كان نايم على الأرض خايف من الدنيا.
دلوقتي بقى راجل بيحمي غيره من نفس الخوف.
وفي مساء هادي، وأنا قاعدة في البلكونة، كريم قعد جنبي وقال:
– عارفة أكتر حاجة غيرت حياتي إيه؟





