الامومه اختيا حكايات اسما

تبنّيتُ أفضل طالب عندي بعد ما لقيته نايم في جراج سيارات — وبعد سنين، ناداني على المسرح قدام الكل.
عمري 53 سنة، مدرسة فيزياء في مدرسة ثانوية حكومية في الإسكندرية. عمري ما خلّفت. جوازي انتهى جزئيًا بسبب الموضوع ده. كنت فاكرة إن ده قدري… لحد ما ظهر كريم.
كان من النوع اللي أي مدرس يحلم بيه. ذكي بشكل غير عادي، فضولي، مهووس بالكون. ثقوب سوداء، تمدد الزمن، ميكانيكا الكم… كان بيستوعب كل حاجة بسرعة مذهلة. كنت أخرج من الحصة وأبتسم لنفسي وأقول: الولد ده هيغير الدنيا.
لكن لما دخل سنة تالتة ثانوي، كل حاجة بدأت تتغير.
بقى يتأخر على الحصص. يسلم واجبات ناقصة. عينه دايمًا مرهقة، ورأسه على الديسك طول الوقت. حاولت أتكلم معاه بعد الحصة.
قلت له:
“يا كريم، إنت أذكى من إنك تضيع نفسك بالشكل ده.”
رد بصوت واطي:
“أنا كويس يا مس مريم.”
بس هو ما كانش كويس.
في يوم سبت بارد من شهر يناير، خرجت أجيب طلبات من السوبر ماركت في محطة الرمل. المطر كان تقيل، والهواء ساقع، والطريق زلق. ركنت عربيتي في الدور التالت في جراج مول قريب.
وأنا نازلة من العربية، لمحته.
كان في حد متكور جنب الحيطة في ركن بعيد. في الأول افتكرت متشرد. لكن لما قربت شوية، قلبي وقع.
كان كريم.
كان نايم على الأرض، الشنطة تحت راسه كوسادة، والجاكيت ملفوف حواليه بإحكام.
همست:
“يا نهار أبيض… كريم؟!”
فتح عينه فجأة وبصلي بفزع. للحظة كان شكله زي طفل محاصر.
قال بسرعة:
“مس مريم… بالله عليكي ما تقولي لحد!”
صوتي كان بيرتعش:
“إنت بتعمل إيه هنا؟! إزاي نايم في جراج؟”
بص للأرض، سكت شوية، وبعدين قال:
“هحكيلك… بس أوعديني محدش يعرف.”
وعدته.
أخذ نفس عميق، وصوته كان بيتكـ,ـسر وهو بيحكي.
أبوه اتوفى من سنتين، وأمه اتجوزت واحد قاسي. الراجل ده كان شايفه عبء. كل شوية خـ,ـناق وضـ,ـرب. من أسبوع طرده من البيت بعد ما قاله “مش هصرف على حد مش ابني.”
كريم ما كانش عايز يبلغ حد. كان بيبات في الجـ,ـراجات، وفي بعض الأيام عند صاحب له، وبيحاول يكمل المدرسة عادي عشان محدش يشك.
لما خلص كلامه، حسيت الدنيا بتهتز تحتي.
قلت:
“إنت بقالك قد إيه كده؟”
قال بهدوء موجع:
“حوالي شهر.”
شهر… والولد بيحضر حصصي كل يوم وكأنه طبيعي.
رجعته البيت معايا الليلة دي. قلت له إنه مؤقت لحد ما نلاقي حل.
بس الحل ما بقاش مؤقت.
بلغت الشؤون الاجتماعية بطريقة قانونية، وبعد تحقيقات طويلة وإجراءات، قدرت آخد وصاية قانونية عليه.
الناس استغربت. بعضهم قال إني بجازف. بعضهم قال إني بعوض حرماني من الإنجاب.
يمكن كان في جزء من ده صحيح.
بس الحقيقة إن كريم أنقذني زي ما أنا أنقذته.
السنين عدت. دخل كلية الهندسة قسم هندسة فضاء في جامعة القاهرة. كنت أحضر كل محاضرة مفتوحة يشارِك فيها. كل مسابقة علمية كان يدخلها.
وفي يوم، بعد 12 سنة من الليلة دي في الجراج، اتدعيت لحفل تكريم علمي كبير في دار الأوبرا بالقاهرة.
كنت قاعدة في الصفوف الخلفية. اسمه اتنادى على المسرح كأصغر باحث مصري يحصل على منحة دكتوراه في فيزياء الفضاء في ألمانيا.
طلع على المسرح، لبس بدلة شيك، ابتسامته واثقة.
وبعد ما شكر اللجنة، قال:
“في شخص لازم أشكره… لو ما كانتش شافتني في جراج في يوم مطر، يمكن ما كنتش واقف هنا النهارده.”
قلبي وقف.
بص ناحية القاعة وقال:
“مس مريم… ماما… ممكن تطلعي لي؟”
الدنيا سكتت.
طلعت المسرح ودموعي نازلة.
حـ,ـضني قدام الناس كلها وقال:
“إنتي علمتيني إن العلم مش أهم حاجة… الإنسان هو الأهم.”
في اللحظة دي عرفت إن حياتي ما كانتش ناقصة.
كانت مستنية بس حد اسمه كريم.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *