ابنـتي مـاتت مـنذ عاميـن…لكـن الأسـبوع المـاضي اتصـلت المدرسـة لتخـبرني أنهـا في مكـتب المـديرة. دفـنتُ ابنتـي مريـم قـبل عامـين. كان عمرها أحد عشر عامًا. الناس يقولون إن الألم يخفّ مع الوقت. هذا غير صحيح. هو لا يختفي…فقط يتحول إلى شيء تحمله بصمت داخلك. زوجي سامي هو من تولّى كل شيء وقتها. المستشفى.إجراءات الدفــ . ــن.الأوراق الرسمية. أنا بالكاد كنت أستطيع الوقوف.لم ننجب أطفالًا آخرين بعدها. لم أكن أحتمل فكرة أن أحب طفلًا آخر… ثم أفقده. صباح الخميس الماضي، رنّ الهاتف الأرضي في بيتنا بالقاهرة. مدام هدى؟ كان صوت مديرة مدرسة النور الخاصة، حذرًا ومتوترًا. آسفة لإزعاجك، لكن لدينا فتاة صغيرة في المكتب تصر على الاتصال بوالدتها… وقد أعطتنا اسمك ورقمك. قلتُ ببرود: هناك خطأ. ابنتي متوفـ . ـاه. ساد صمت قصير. ثم قالت المديرة بهدوء أكبر: هي تقول إن اسمها مريم… وتشبه بشكلٍ لافت الصورة الموجودة في ملف الطالبة لدينا. شعرت بقلبي يضــ . ـرب أضلعي بعنــ . ــف: هذا مستحيل. “هي تبكي بشدة… من فضلكِ فقط تحدثي معها.” قبل أن أستطيع الرفض، سمعت حركة في الخلفية. ثم…صوت صغير. =ماما؟… ماما لو سمحتي تعالي خُديني. سقط الهاتف من يدي…لم يكن مجرد صوتٍ مشابه. كان صوتها….صوت ابنتي…دخل سامي إلى الغرفة يحمل فنجان قهوته.د..رأى الهاتف على الأرض… ووجهي الشاحب. =في إيه؟ همستُ: مريم… في المدرسة. بدلًا من أن يخبرني أنني أتوهم…شحب وجهه. التقط الهاتف بسرعة وأغلق الخط. =ده نصب. أكيد في برنامج يقلد الأصوات… ذكاء اصطناعي… ما تروحيش هناك. عند.ما أمسكت مفاتيحي، وقف أمام الباب. =مش هتروحي. قالها وهو مذعور. =ليه؟ صرختُ فيه:هي ماتت! ليه خايف من شبـ . ــح… إلا لو مش شبـ . ــح فعلًا؟! لم يجب. فقط نظر إلي… وكأن سرًا كبيرًا على وشك الانفجار. دفعتُه وخرجت…قدت السيارة كالمجــ . ــنونة. لم أشعر بالإشارات… ولا بالمسافة. دخلت المدرسة ألهث، واندفعت نحو مكتب المديرة. كانت يداي ترتجفان عند.ما أمسكت بمقبـ . ــض الباب. فتحت الباب…ودخلت. حكايات اسما جلست طفلة صغيرة على الكرسي. شعرها الأسود الطويل مربوط بنفس الطريقة التي كنت أربطها لمريم. حكايات اسما نفس الغمازة في الخد الأيسر. نفس الشامة الصغيرة قرب الأذن. رفعت رأسها ببطء. حكايات توته وستوته وعند.ما التقت عيناها بعيني… همست:… صليعلي محمد وال محمد وتابع معايا رفعت رأسها ببطء. وعند.ما التقت عيناها بعيني… همست بصوتٍ مرتجف: “ماما…” لم أتنفّس. لم أتحرّك. العالم كلّه انكمش في تلك الكلمة. اقتربت خطوة. ركبتيّ كانتا ترتجفان. مددت يدي ببطء… ولمست خدّها. دافئ. ليست صورة. ليست حلمًا. ليست شبـ . ــحًا. بكت فجأة وارتمت في حــ . ــضني. “ماما… كنتِ فين؟ أنا بدوّر عليكي من زمان.” انهار شيء داخلي. حــ . ــضنتها بقوة، كأنني أخشى أن تختفي إن تركتها ثانية. مديرة المدرسة كانت تراقب المشهد بذهول. همست لها: “إزاي… إزاي ده يحصل؟” قالت المديرة: “جات لوحدها الصبح. قالت إنها كانت مسافرة… وإنها رجعت القاهرة امبارح. اسمها في الأوراق: مريم سامي العزّازي. نفس تاريخ الميلاد… نفس البيانات تقريبًا.” نظرت إلى الطفلة. “فين كنتِ يا حبيبتي؟” قالت وهي تمسح د.موعها: “بابا قال لي ما أقولش لحد. قال إننا هنبدأ حياة جديدة.” برد الد.م في عروقي. “بابا؟” هزّت رأسها: “بابا سامي.” في تلك اللحظة… فهمت سبب ذعره. قبل عامين… قالوا لي إن مريم غرقت في رحلة مدرسية إلى الإسكندرية. قالوا إن التيار كان قويًا. قالوا إنهم حاولوا إنقاذها. لم أرَ الجثمان. كان التابوت مغلقًا. قالوا إن حالتها لا تسمح. كنت محطّمة… لم أجادل. لم أصرخ. لم أطلب حتى فتح التابوت. وثقتُ في زوجي. سامي كان هادئًا بشكل غريب يومها. لم يبكِ كثيرًا. قال إن عليه أن يكون قويًا من أجلي. عدتُ إلى الحاضر، ويدي ما زالت على كتف الطفلة. “مين اللي قال لكِ تيجي المدرسة دي؟” قالت: “بابا كان بيقول إن ده أأمن مكان. لو احتجت حاجة أطلب المديرة.” مديرة المدرسة نظرت إليّ بقلق: “زوجك اتصل بينا قبل سنتين. قال إن ابنته هتسافر برا فترة… وطلب نحتفظ بملفها مفتوح.” اتصل؟ إذن كان يعرف. كنت أشعر أن الأرض تدور بي. “مريم… كنتِ فين طول الوقت ده؟” قالت ببراءة: “كنا في شقة صغيرة في العبور. وبعدين سافرنا شوية اسكندرية. بابا كان بيقول إن في ناس عايزة تأذيني.” نظرت للمديرة: “لازم أبلغ الشرطة.” خرجت من المدرسة ومريم تمسك بيدي بقوة. الهاتف رنّ. سامي. لم أرد. بعد ثوانٍ وصلت رسالة: “ارجعي البيت. لازم نتكلم.” لكنني لم أعد تلك المرأة المنكسرة. ذهبت مباشرة إلى قسم الشرطة القريب. في المساء… جلس سامي أمام ضابط المباحث، وجهه شاحب، عيناه زائغتان. قال الضابط بصرامة: “مراتك بتقول إن بنتها ماتت من سنتين. إزاي البنت عايشة؟” صمت. لى