س السكون اللي حصل بعد كلام ناديه

نادية ماحركتش حاجة. كريم قرب من الدكتور ٣ خطوات لغاية ما بقى قريب جدًا من وشه. —المستشفى كان هيخسر قد إيه يا عصام؟ —سألهم همس سام. عصام رمش، محتار، وقطرة عرق برد بدأت تنزل على جبينه. —بتتكلم عن إيه؟ انت متوتر، خليني أشوف آدم… —ما تتجرأش تبص لابني! —صرخ كريم وهو ماسك الدكتور من ياقة البدلة بكل قوة—. عارف كل حاجة عن التخدير! عارف كل حاجة عن نقص الأكسجـ .ـين! عارف إنك خليت مراتي تمـ .ـوت وبعدين كذبت على العالم وقالت ابنّي معاق عشان تحمي مستقبلك ومسواك!
وش عصام فقد لونه. حاول يفلت، لكن كريم، بدافع الأدرينالين، دفعه على خزائن المطبخ. الصوت رجّ الأطباق جوه الدولاب. —كريم… من فضلك… اسمعني… الموضوع مش كده… الطب مش علم دقيق… —تمتم عصام، لأول مرة ظهر خوفه الحقيقي. —مش كده؟ هتنكر المكالمة اللي عملتها هنا من ١٥ يوم؟ هتنكر إنك قلتلي ابني مش هيتحرك، مع إنك عارف اتصالاته العصبية شغالة؟ عصام بص لنادية وفهم فورًا مين اللي كشفه. لحظة من الكره ظهرت في عينيه، لكن الخوف سيطر عليه.
—كنا بنحاول نحميك… —حاول يبرر وهو مرتجف—. ليلى ماكنتش هتعيش أصلًا. ضرر آدم كبير. لو إديناك أمل، كنت هتضيع حياتك وفلوسك على علاج ملوش فايدة. إديناك إغلاق. كريم حس بغثيان. السخرية كانت مطلقة. بحركة مفاجئة، سيب الدكتور، وابتعد عنه بشماتة كأنه ماسك حاجة نجسة. —محاميّ بيجهز البلاغ. المحققين الخاصين بيبحثوا عن الدكتور التخدير اللي يومها. هدمّ مستشفاك. هتسحب رخصتك. هصرف آخر قرش في حسابي عشان أشوفك تتعاقب —كريم أشار للباب—. امشي من بيتي. دلوقتي. عصام حاول يرتب البدلة، مهان وخايف. مسك شنطته وخرج من باب الخدمة، وتعثّر وهو بيجري للشارع.
لما صوت عربية الدكتور ابتعد، رجع السكون، لكن المرة دي مش سكون مـ .ـوت. كانت راحة بعد العاصفة. كريم قعد على الأرض، منهك جسديًا وعقليًا. آدم، اللي كان بيتفرج بعينيه الكبيرتين، عمل صوت خفيف وزحف لجسم أبوه. أخد دقيقتين عشان يقطع الـ٣٠ سم اللي بينهم. كان أبطأ وأجمل تقدم شافه العالم. لما لمس رجلي كريم، رفعه برقة لا نهائية، حاسس بدقات قلب معجزة ابنه. نادية قربت بصمت وبدأت تجمع حاجتها. —بتعملي إيه؟ —سألها كريم بصوت خشن.
—بجمع، أستاذ. قلتلي مفصولة. كريم رفع عينه ليها. عينه حمرا بس مليانة امتنان كبير. —نادية… مش هتمشي أي حتة —قال وهو بيهز راسه—. البيت ده محتاجش ممرضات صامتة. محتاج حياة. محتاج ضوضاء. وآدم محتاجك. من فضلك… ابقي معانا. علّمني ألعب مع ابني. نادية سابت الشنطة على الأرض، غطّت وشها بإيديها وبكت، واهتدت برأسها بحماس. مرت ٦ شهور من صباح النهار ده اللي غيّر حياتهم. القصر اللي كان مظلـ .ـم وصامت في مصر الجديدة ما بقاش يشبه المستشفى. الستائر اتفتحت، والشمس دخلت. الأرض مليانة سجادات ملونة، كرات، ألعاب موسيقية وقطع إسفنج. موسيقى أطفال كانت شغالة على الاستريو.


