س السكون اللي حصل بعد كلام ناديه

—عشان حضرتك راجل أرقام، أستاذ. راجل قوي، واثق في البدلات الغالية والشهادات —ردت نادية وهي تمسح وشها بالمئزر—. لو قلتلك ده من غير دليل، كنت هتبقى شايفني مجـ .ـنونة. كنت هتتصل بعصام، ويقنعك إني نميمة. كنت محتاجة أثبتلك إن الولد ليه أمل. نادية مشيت خطوتين ناحية آدم، ركعت ومدّت إيديها على شعره الأسود.
—أمي اشتغلت ١٥ سنة متطوعة في مركز الأطفال المحتاجين. أنا اتربيت هناك، يا أستاذ. شفت مئات الأطفال بيكافحوا. مش دكتورة، ومش عندي ماجستير، بس أعرف العضلة اللي فيها حياة. لما شفت عيون آدم، شفت إنه بيتابع النور. لما يخاف، بيحرك رجليه بقوة. عشان كده من ١٠ أيام طفيت الكاميرات. شلّيته من الكرسي اللي شبه السجـ .ـن. حطيته على الأرض وابتديت ألعب معاه. أحفزه. أعامله كطفل حي، مش كقطعة مكسورة. وشوف… نادية أشارت لآدم. الولد، مش مهتم بالدراما بتاعت الكبار، قدر يمسك الطاحونة الخشبية بإيده ويضحك فرحان.
كريم وقع على ركبته. صوت عظامه على الأرضية رجّ البيت كله. ماكنش فارق معاه. زحف لحد ابنه. إيديه الكبيرة المرتجفة حـ .ـضنت جسم آدم الصغير. الولد ساب الطاحونة، وحط وشه على كتف أبوه، ومسك قميصه. كان حـ .ـضن حقيقي، متلعثم، بس مليان قوة. كريم انفجر في البكاء. بكاء أولي، وحشي، مؤلم. بكى على ليلى، وبكى على السنتين اللي ضيّعهم من ابنه وهو محبوسه في سرير معقم، وبكى على الخداع الضخم اللي اتعرضله. بكى لحد ما حس إن النفس خلاص مش باقي. ولما رفع نظره، عينه ماكنتش عيون رجل أعمال محطم. كانت عيون أب مستعد يشعل الدنيا.
وقف، طلع موبايله واتصل برقم. —دكتور عصام —قال كريم بصوت بارد وهادئ مخيف أكتر من أي صراخ—. عايزك تيجي البيت خلال ٢٠ دقيقة. حالة طارئة مع آدم. تعالى لوحدك. قطع المكالمة قبل ما يرد الدكتور. خلال العشرين دقيقة، محدش اتكلم في المطبخ. نادية حضرت لبن دافيّ. كريم كان بيراقب كل حركة لابنه. كل رمشة عين، كل محاولة يحرك رقبته، كان بالنسبة له دلوقتي معجزة حاولوا يخبوها. لما رن جرس البيت، كريم راح يفتح بنفسه. الدكتور عصام دخل مستعجل، لبس بدلة رمادية نظيفة، شايل شنطة جلدية. وشه المعهود كله تعاطف.
—كريم، صديقي، حصل إيه؟ الولد اتشنج؟ —سأل وهو بيجري ناحية المطبخ. —تعالى على المطبخ، عصام —أمر كريم وقفل الباب وراهم. دخل الدكتور المطبخ، وابتسامته المهنية اتجمدت. شاف آدم على الأرض، بعيد عن أي جهاز، بيلعب بخرقة وردية. شاف نادية واقفة جنب البوتاجاز، ونظرة كريم تقيلة زي الرصاص. —إيه ده يا كريم؟ عارف كويس إن الولد ماينفعش يكون على الأرض من غير دعم للعمود. انت معرض جسمه للخطر. المربية، شيله فورًا.





