الارض البور

هاني كان أول واحد يشيح بوشه بعيد، ووشه بقى لونه أصفر زي الليمونة.
— “دي نتايج كسر مضاعف في العمود الفقري،” وفاء قالت بكل ثبات.
— “ضلعين مكسورين، وحوض متثبت بشرايح ومسامير.. وكل ده متسجل في مستشفى قصر العيني بالتواريخ.”
بصت للقاضية ودموعها في عينيها بس مانزلتش:
— “والبيه قال للناس كلها إني وقعت من على السلم في بيتنا لوحدي عشان “دايخة”.”
المحامية قدمت التقارير الطبية المسكوت عنها،
والقاضية استلمتها بإيد بترعش من الصدمة.
وفاء كملت:
من خمس سنين، في عز الموسم، هاني أجبرها تشتغل وهي مريضة وتعبانة.. تشيل صناديق تقيلة وتجر معدات في المخزن عشان يوفر يومية عامل.
لما تعبت ووقعت من طولها، وبدأت تعترض، شدها بغل وهي على السلم الخشبي العالي.
— “اللي هو مخبيه، إنه هو اللي هز السلم بعنف وهو بيزعق فيا، ولما وقعت في الأرض جثة هامدة مش قادرة أصرخ حتى.. وطى عليا وهددني لو ما قولتش إني وقعت لوحدي هيحرمني من ولادي ويشردني.”
هاني وقف فجأة وزعق وصوته مخنوق:
— “كدب! ده فيلم هندي.. دي عايزة تلبسني مصيبة!”
القاضية خبطت بالمطرقة وزعقت فيه: “اقعد مكانك!”
وفاء كملت وهي بتبص له بمنتهى القرف:
— “الأرض البور دي هي اللي صرفت من ورثها عشان تشتريلك الخيل اللي بتتباهى بيه.. وهي اللي ضهرها انكسر عشان انت ترفع راسك وتعمل فيها “رجل أعمال”.”
المحامية قدمت كشوفات البنك اللي بتثبت إن ورث وفاء هو اللي كان بيمول المشروع كل ما هاني يغرق في ديونه.
وفاء حطت إيدها على الحزام الطبي اللي حوالين وسطها وقالت كلمتها الأخيرة:
— “ده مش كسر يا سيادة القاضية.. دي فاتورة العيا اللي شيلتها بدال ما “البيه” يشيل مسؤوليته.”
محدش نطق.. القاعة بقت زي القبر.
حتى هاني، مكنش قادر يرفع عينه في عينها.. الرعب أكل قلبه لأنه عرف إن اللعبة خلصت.
القاضية أعلنت استراحة قصيرة قبل النطق بالقرار..
بس الكل كان عارف
إن وفاء النهاردة مش بس خدت طلاقها..
دي خدت “تمن” كل وجع عاشته في ضلمة الأيام اللي فاتت.
لسكوت اللي حل في القاعة مكنش طبيعي.. كان تقيل، كتم نَفَس الكل، وكأن الكل فهم إن اللي شافوه ده مجرد “المقبلات” للوليمة اللي جاية.
— “الجلسة هتترفع ربع ساعة للاستراحة،” القاضية مدام ميرفت قالتها بصوت فيه رنة صدمة.بقلم منــال عــلي





