بيت طفولتي

وقفت سارة والشاكوش يرتجف في يدها، الهواء البارد يخرج من الفجوة التي صنعتها وكأنه أنفاس بيت كان يكتم أنفاسه لعشرين عاماً. الرائحة لم تكن مجرد تراب، كانت رائحة زمن محپوس، رائحة أشياء لا تنتمي لعالم الأحياء.
نظرت سارة إلى الخربشات على ظهر الباب من الداخل. لم تكن مجرد خربشة عشوائية، كانت علامات عميقة في الخشب، بعضها يبدو وكأن أظافر آدمية هي من حفرته حتى دمت. بدأت سارة تتنفس بصعوبة، وصوت أمها يتردد في أذنيها أبوكي ضيع البيت عشانها.
المواجهة مع الصندوق الأسود
دلف سارة داخل الغرفة الضيقة. كانت الجدران مغطاة بطلاء أسود باهت، وفي الزوايا تراكمت خيوط العنكبوت وكأنها نسيج من الكفن. اقتربت من الطاولة، أمسكت بإحدى الصور الممسوحة. وجه الأستاذ محمود كان مكشوطاً بدقة غريبة، وكأن من فعل ذلك أراد محو وجوده من ذاكرة المكان.
فتحت الشنطة الجلدية السوداء. توقعت أن تجد ذهباً، أو أوراق ملكية، أو حتى ديوناً قديمة. لكن ما وجدته جعل ركبتيها ترتطمان بالأرض.
كانت الشنطة مليئة ب خصلات شعر مربوطة بشرائط ملونة، وبجانبها عشرات البطاقات الشخصية لأشخاص غرباء، وصور فوتوغرافية التُقطت من بعيد لأشخاص يمشون في الشارع.. كلهم يشبهون سارة وياسين وأمها في مراحل عمرية مختلفة.
تحت الأوراق، وجدت دفتراً صغيراً مهترئاً. كان مذكرات والدها.
فتحت الصفحة الأولى، كان الخط مهزوزاً، يبدو أنه كُتب تحت ضغط عصبي هائل
لقد بدأت تطلب المزيد. البيت لم يعد ملكي، والروح التي تسكن هذا الركن لا تشبع. محمود، أنت لست والداً، أنت مجرد حارس للسجن.. والسجين يريد أن يخرج.
السر تحت البلاط
بينما كانت سارة تقرأ، سمعت صوتاً خلفها. صوت جرجرة خشب على أرضية الغرفة. التفتت پذعر، لكن الكرسي كان مكانه. فجأة، شعرت ببرودة شديدة تلامس كاحلها. نورت كشاف الموبايل لأسفل، لتجد أن البلاطة التي تقف عليها ليست ثابتة.
استخدمت طرف الشاكوش لرفع البلاطة، لتجد تحتها حفرة مغطاة بقماش قطيفة أحمر. رفعت القماش، لتجد هيكل عظمي صغيراً جداً، لدرجة أنه لا يمكن أن يكون لطفل.. كان هجيناً، جمجمة غريبة الشكل، وبجانبها عقد ذهبي كانت أمها ترتديه دائماً وتقول إنه ضاع

يوم الطرد.
في تلك اللحظة، رن هاتفه مرة أخرى. كانت أمها، لكن هذه المرة لم تكن تبكي. كان صوتها بارداً، خالياً من أي مشاعر
لقيتيها يا سارة؟ لقيتي الأخت اللي أبوكي حپسها عشان يعيشكم في عز؟
تجمدت سارة أخت إيه يا ماما؟ أنا معنديش أخوات غير ياسين!
أبوكي كان بيتعامل مع ناس مبيتسموش.. قالوا له عشان تبقى غني، لازم تدفع تمن الغنى من دمك. لما اتولدتِ، اتولد معاكي القرين بشكل مادي. كان لازم تتحبس، كان لازم تعيش في الضلمة عشان إنتِ تعيشي في النور. بس لما الديون كترت، هي بدأت تاكل في جدران البيت. هي اللي طردتنا يا سارة.. هي اللي خلت أبوكي يسد عليها الحيطة وهي صاحية عشان يخلص من طلباتها.. بس هي متموتش.
الليلة التي لا تنتهي
فجأة، انطفأ كشاف الموبايل. ساد ظلام دامس، ورائحة الزفرة أصبحت لا تطاق. سمعت سارة صوتاً يهمس في أذنها، صوت يشبه صوتها تماماً، بنفس النبرة والتردد
نورتِ بيتك يا سارة.. أنا كنت مستنياكي ترجعي المفتاح.
شعرت سارة ب يد باردة كالثلج تمسك بيدها التي تحمل الشاكوش. حاولت الصړاخ، لكن صوتها كان مخنوقاً. شعرت بجسدها يُسحب نحو الكرسي الخشب. في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة البشعة
والدها لم يخسر البيت بسبب الديون.. هو سلم البيت للمزاد عمداً. لقد أراد أن يشتري شخص ما البيت، شخص يحمل نفس الډم، ليكون هو القربان الجديد الذي يفك أسر الكائن المحبوس خلف الحائط.
بدأت الحجارة التي هدمتها سارة تتحرك وحدها، لتعيد سد الفتحة. الطوب يترص فوق بعضه بسرعة غير طبيعية، وكأن البيت نفسه يبني جدرانه من جديد. صړخت سارة بكل قوتها، لكن صوت المصبغة العالي في الشارع، وصوت الرعد في الخارج، ابتلع صرخاتها.
الخاتمة الوريثة الجديدة
في الصباح التالي، كان البيت يبدو هادئاً جداً. الجيران رأوا سارة تقف في الشرفة، ترتدي فستاناً قديماً يشبه فساتين التسعينات، وتنظر للجنينة بابتسامة غريبة.
اتصل بها ياسين أخوها وهو متحمس سارة! مبروك يا حبيبتي، أنا جاي أشوف البيت النهاردة، ماما قالت لي إنك رتبتِ كل حاجة.
ردت سارة بصوت فيه بحّة غريبة، صوت
يبدو وكأن فيه شخصين يتحدثان في وقت واحد
تعالى يا ياسين.. البيت وحشه أهله.. وأنا جهزت الأوضة اللي ورا المطبخ عشانك.. بابا ساب لك فيها أمانة لازم تستلمها.
أغلقت سارة الخط، ونظرت إلى الحائط خلف الخزين. الحائط كان أملساً تماماً، مدهوناً بطلاء جديد، ولا يوجد فيه أثر لشرخ واحد. لكن خلف ذلك الحائط، كانت سارة الحقيقية تجلس على الكرسي الخشب، عيناها ممسوحتان تماماً مثل صور والدها، بينما الشيء الذي خرج من الأوضة كان يتجول في الصالة، ېلمس الأثاث بامتلاك، ويستعد لاستقبال القربان القادم.
انتهت قصة بيت العزازي، لكن الأوضة.. الأوضة لم تغلق للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *