هتتصلي ينجدك

المكتب كله اتحول لعلبة سردين مفيش فيها نفس بيطلع. الدبابير اللي كانت بتزن من دقيقة واحدة اختفت، والكل بقوا زي التماثيل. وائل، اللي كان لسه من ثواني بيقترح يجيبوا لندى تيشيرت، حس بركبه بتخبط في بعضها، وسحب جسمه لورا بالتدريج لغاية ما لزق في الحيطة وكأنه بيحاول يختفي جواها.

أما شيرين، فالدم هرب من وشها تماماً وبقت شبه الأموات. عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين ندى وبين المهندس إسماعيل الهواري اللي واقف بطوله وعرضه وهيبته اللي تخوف. الكلمة وقفت في زورها، والضحكة الصفرا اللي كانت على وشها اتقلبت لرعشة واضحة في شفايفها.

أشرف بيه، صاحب الشركة، كان واقف ورا إسماعيل الهواري بيمسح عرق جبينه بمنديل قماش، وإيده بترتعش. تقدم خطوتين وهو صوته مهزوز:

“إسماعيل بيه.. يا فندم أنا.. أنا مش فاهم في إيه؟ ندى فخر للشركة عندنا، دي شيلانا من جوة عينينا.. حصل إيه بس يا فندم؟”

إسماعيل الهواري مدش عينه لأشرف أصلاً. فضلت عينه حادة ومثبتة على شيرين اللي كانت واقفة في مواجهته. تقدم خطوة واحدة تانية، والخطوة دي كان ليها صوت مسموع في الهدوء المرعب ده. بص لبقعة القهوة اللي مغرقة قميص بنته، ومد إيده الحنينة يمسح دموع ندى اللي نزلت غصب عنها لما شافت ضهرها وسندها واقف قدامها.

“أنا سألت سؤال.. ومبحبش أكرره.” صوت إسماعيل الهواري كان واطي، بس النبرة كان فيها تهديد يهد جبال. “مين اللي مد إيده ودلق القهوة دي على بنتي؟ ومين اللي قال لها ‘يا بت’؟”

أشرف بيه لف وشه للمكتب وزعق بصوت عالي وعروق رقبته ناطحة: “في إيه؟ مين اللي عمل كده؟ أنتوا اتجننتوا؟ أنتِ يا شيرين.. إيه اللي بيحصل هنا؟”

شيرين بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تجمع شتات نفسها وتتكلم بنبرة “المديرة” اللي متعودة تدوس على الناس، بس صوتها طلع مخنوق ومكسور:

“إسماعيل بيه.. أهلاً بحضرتك.. الموضوع.. الموضوع سوء تفاهم بسيط والله. إحنا كنا بنتناقش في الشغل، وندى.. يعني الأنسة ندى، غلطت في فايل مهم جداً بتاع مناقصة أوراسكوم، ولما جيت أخد منها اللاب توب عشان نلحق الموقف، الكوباية اتقلبت غصب عننا.. يعني محصلش حاجة لكل ده..”

ندى رفعت عينيها وبصت لشيرين بثبات وقالت بصوت واضح: “أنا مغلطتش في الفايل يا شيرين بيه، وأنتِ عارفة إن الفايل متمسحش بسببي، وأنتِ اللي زقيتي إيدي وقاصدة تدلقي القهوة.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *