السوبر ماركت

ماما.. تيتا أخدت كل الفلوس اللي كنت محوشها عشان أشتري اللاب توب!
قالها ابني يوسف وهو داخل عليا الأوضة ودموعه في عينه. حكايات مني السيد
كنت لسه راجعة من السوبر ماركت وشايلة في إيدي شنطتين تقال. شنطة لبيتي وعيالي، والشنطة الثانية لحماتي. ليل أكتوبر كان خلاص فرش ضله على الشارع، وأنوار العمارات لعلعت بدري عن العادي. طلعت الدور الثالث بنهج، فتحت باب الشقة بالمفتاح، وأول حاجة عملتها إني أخدت شنطة حماتي ودخلت بيها على أوضتها علطول.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة على الكرسي الهزاز جنب الشباك، ومندمجة مع المسلسل اللي شغال في التلفزيون. أول ما شافتني دخلت، هزت راسها وقالت بنبرة فيها أمر مستخبي
آه.. جيتي يا بنتي؟ طيب كتر خيرك، حطي الشنطة عندك على التربيزة.
حطيت الشنطة، وبدأت أطلع الحاجة وأرصها في ثلاجتها الصغيرة اللي في الأوضة. عيش، لبن، جبنة قريش، فرخة، وخضار.. زي كل مرة وزي ما هي متعودة. متوفرة على روايات و اقتباسات قلت لها وأنا بنفض إيدي
يا حاجة فاطمة، بكرة إن شاء الله بعد الشغل هعدي على الصيدلية.. علاج الضغط والسكر لسه فاضل فيه ولا خلص؟
ردت من غير ما تدور وشها ناحيتي
خلّص يا بنتي.. هاتي نفس الشريطين بتوع المرة اللي فاتت، بس بالله عليكِ اتأكدي من الصيدلي إن العلاج مش مغشوش، صحتنا مش حمل تجارب.
هزيت راسي وسكتّ. حماتي عايشة معانا في الشقة بقالها سنتين، من وقت ما حمايا الله يرحمه توفى. ساعتها صممت تبيع شقتها القديمة وتيجي تعيش مع ابنها أحمد. الفلوس اللي طلعت بيها من بيع الشقة حطتها كلها في البنك، وقالت إنها شايلاهم للزمن وللأيام الصعبة. معاشها كان بسيط وكل شوية تشتكي إن الميزانية مخرمة وما بتكفيش متوفرة على روايات و اقتباسات وأنا لسه واقفة على عتبة الباب وبستأذن عشان أخرج، لقيتها بتقول بنبرة كلها مسكنة
بقولك إيه يا شيرين.. ينفع تقرصي على نفسك شوية وتساعديني بقرشين؟ المعاش يا بنتي يدوب بيكفي بالعافية، ومصاريف العلاج غليت.. وأنتِ وأحمد الحمد لله مستورين ومش هيأثر معاكم مبلغ بسيط.
وقفت مكاني مذهولة. كانت بتبص لي بنظرة تخلي اللي قدامها يحس إنه بيمنع عنها لقمة العيش!
قلت لها وأنا بحاول أظبط نبرة صوتي
يا حاجة فاطمة، ما أنا بجيب لك طلبات البيت كلها على حسابنا، وعلاجك أنا اللي بدفع تمنه من الألف للياء.. ناقصك إيه تاني بس؟
لوت بوزها وقالت
جرى إيه يا شيرين؟ دي حاجات بسيطة يعني.. الست في سني برضه بيبقى ليها طلبات، عايزة أجيب كريم لوشي، ولا طرحة جديدة أستر بيها راسي وأنا خارجة.. ولا هقضي اللي فاضل من عمري في هدوم دبلانة؟
ما ردتش عليها. خرجت من الأوضة ورحت على المطبخ عشان أجهز العشا وأنا جوايا غليان. جوزي أحمد كان قاعد في الصالون، مأنتخ قدام التلفزيون وبيتصفح الفيسبوك على موبايله ولا هو هنا. وابننا يوسف كان قاعد على السفرة بيعمل الواجب.
يوسف بص لي وقال بنبرة حماسية
ماما، أنا خلاص هانت.. هخلص مسألة الرياضة دي وأبقى خلصت كل اللي عليا.
ابتسمت له وقلت له
شاطر يا حبيبي، شد حيلك عشان العشا قرب يجهز ومش عايزاك تتأخر.
بدأت أقطع الخضار عشان السلطة، والأفكار في دماغي رايحة جاية. حماتي طلباتها بتزيد يوم عن يوم وبشكل غريب! الأول كانت الطلبات يدوبك مصاريف أكل وشرب، بعدين العلاج، ودلوقتي عايزة فلوس سايلة في إيدها عشان الطرح والكريمات! أنا مقدرة إن العيشة غليت والمعاش على قد الحال، بس ما هي
شايلة قرشين كويسين في البنك! ليه ما تسحبش منهم لما تزنق معاها؟ ولا هي الفلوس دي محرمة على الدنيا ومحللة للبنك بس؟
وعلى ترابيزة العشا، حماتي ما فوتتش الفرصة، وفتحت السيرة تاني بس المرة دي ووجهت الكلام لابنها علطول.
بصت لأحمد وقالت بقلة حيلة مصطنعة
بقولك إيه يا أحمد يا ابني.. مش هتقف جنب أمك الشهر ده؟ المعاش اتنسف ومفاضلش منه مليم، ومش عارفة هكمل باقي الشهر إزاي…
والقرش الأبيض في السبت الأسود
أحمد هز راسه وقال ببساطة
يا أمي، طبعاً من عينيا.. إحنا تحت أمرك. جرى إيه يا شيرين، ما تطلعي للحاجة اللي هي عايزاه.
بصيت لأحمد ونظراتي كلها عتاب وتوتر، بس هو ولا كان هنا، كان عمال يمضغ حتة الفراخ ومستني رد وخلاص.
قلت له بنبرة هادية بس حاسمة
يا أحمد، ما إحنا لسه قايلين إني بجيب طلبات البيت كلها وعلاج الحاجة على حسابنا.. ناقص إيه تاني يتجاب؟
رد عليا ببرود
جرى إيه يا شيرين، الست بتطلب منك، مش أصول برضه نقول لها لأ.
سكتّ وما ردتش. كملت عشاي وقمت غسلت المواعين وأنا جوايا ڼار. الحاجة فاطمة قامت من على السفرة وهي على وشها علامات النصر والرضا، وفي الليلة دي، أخدت من أحمد خمسة آلاف جنيه كاش.. عداً ونقداً.
عدى أسبوع.. ويوسف ابني كان ھيموت من الفرحة عشان عيد ميلاده قرب، هيقفل عشر سنين. كنا واعدينه أنا وأبوه إننا هنجيب له لاب توب عشان المذاكرة واللعب. بس الميزانية ما كانتش تسمح بجهاز جديد زيرو، فاقترحت على يوسف فكرة
بص يا جوجو.. أنا وبابا هندفع لك جزء من تمن اللاب توب، وأنت وشطارتك حوش الباقي. العيدية اللي بتجيلك من عمامك وخوالك شيلها، وأي قرش يزيد معاك حوشه.
الواد فرح جداً بالمسؤولية، وجاب علبة صفيح قديمة بتاعة بسكويت، وحط فيها أول ألف جنيه كان مخبيها من العيد اللي فات. وبقى كل ما يلاقي فكة في جيوب البنطلونات، أو نتدلع عليه بقرشين، يجري يحطهم في العلبة.
العلبة دي كانت محطوطة فوق خالص في دولابه. كان كل كام يوم ينزلها يعد الفلوس وهو فخور بكل ورقة بزيادة. كنت مبسوطة إن ابني بيتعلم يشيل المسؤولية ويعرف إن القرش مبيجيش بالساهل متوفرة على روايات و اقتباسات
الحاجة فاطمة كانت عارفة بموضوع الحوش ده. وفي يوم، دخلت أوضة يوسف وهو بيوريني حصيلة تحويشته.
قربت مننا وبصت جوه العلبة الصفيح وقالت بلؤم
الله الله.. ده إحنا كبرنا وبقينا بنشيل قرش على قرش يا سي يوسف! بس أنت شايلهم في مكان قريّب كده ليه؟ ما تروح تفتح لك حساب في البنك يا واد!
يوسف ضحك، وأنا ابتسمت مجاملة، بس قلبي نقح عليا.. نبرة صوت حماتي ما كانتش صافية، فيها حاجة قلقاني. بس نفضت الفكرة من دماغي وقلت دي جدته في الأول وفي الآخر، مش هتبخل على فرحته.
الجزء الثالث الصدمة.. العلبة الفاضية
بعدها بكام يوم، رجعت من الشغل ودخلت أوضة يوسف أشوفه روّق سريره وهدومه ولا لأ. فتحت الدولاب وبصيت على الرف الفوقاني، لمحت علبة البسكويت الصفيح، بس مكانها كان غريب.. يوسف دايماً بيحطها على حرف الرف عشان تطولها إيده، المرة دي كانت مأخورة لورا خالص ومستخبية ورا الهدوم الشتوي!
مديت إيدي وجبت العلبة، وفتحت الغطا..
العلبة فاضية! مفيش فيها ولا مليم.. ولا حتى ورقة بعشرة جنيه!
حواجي اتقفلت وبدأت أدور في الأوضة يمين وشمال، قت يمكن يوسف غير مكانها؟ دورت تحت السرير، في درج المكتب، بين الكتب.. مفيش أثر للفلوس.
بعد ساعة يوسف رجع من

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *