خيانه حماتي

عم مصطفى وقف مكانه كأنه اتسمر في الأرض، وخالتي زكية حطت إيدها على بقها وهي بتبص لسماح ببربشة وذهول. الكلمة طلعت من بوق البنت الصغيرة زي السهم اللي رشق في قلب الحيطة المهدودة. سماح حست بنفضة في ضهرها، وبصت للعيال الثمانية اللي واقفين زي الطيور المبلولة في عز البرد. التراب مغطي وشوشهم، وعينيهم فيها لمحة رعب تخلي الصخر يحن.
​المصنع اللي اتهد، والبيت اللي بقى رماد، وجلال اللي اختفى وساب وراه تمن عيال ودفن أبوه وأمه ورا شجرة الجميز.. كل ده مكنش مجرد حادثة قطاع طرق؛ دي كانت شبكة كبيرة، وسماح لقت نفسها في وسطها من غير ما تقصد.
​أحمد، الولد الكبير، قدم خطوة وشد أخته نوسة ورا ضهره كأنه بيحميها من نظرات سماح. سماح نزلت على ركبها تاني لحد ما بقت في سوا عينيه، ومدت إيدها براحة ومسحت التراب من على خده المسلوخ من الشمس وقالت بصوت دافي مليان حنية الحارة المصرية: “ماتخافش يا أحمد.. أنا سماح. جلال مكانش بيكتب لي مجرد جوابات، جلال كان بيبني معايا حلم، وطالما الحلم ده فيه أنتم، يبقى أنتم من النهاردة لحمي ودمي. مش هسيبكم لوحدكم واصل.”
​عم مصطفى قرب وبص لسماح بحيرة: “يا بنتي، الكلام ده كبير قوي. العيال دول وراهم مصيبة، واللي عمل كده في جلال وأهله مش هيسيب اللي ينبش وراهم. والبلد هنا مابترحمش. يلا بينا على الموقف نرجعك مصر، والعيال دول نشوف لهم ملجأ ولا حكومة تلمهم.”
​سماح وقفت ونفضت فستانها، وعينيها لمعت بقوة مكنتش تعرف إنها جواه: “نرجع فين يا عم مصطفى؟ أنا لو رجعت القاهرة، هرجع للوحدة والدين وكسرة النفس. جلال ساب لي أمانة، والست المصرية مبتخونش الأمانة. السر هنا، والعيال دول مش هيتحركوا من أرض أبوهم.”
​خالتي زكية اتنهدت وصعب عليها حالهم: “طب والعمل يا سماح؟ هتقعدوا فين؟ البيت بقى كوم رماد، والليل لما بيليل هنا، الذئاب البشريين بيبقوا أكتر من ذئاب الجبل.”
​سماح بصت حولين نفسها، لقت الورشة الصغيرة اللي كان باب السرداب تحتها. الحيطة بتاعتها كانت مبنية من طوب حجر تقيل ومستحملتش النار قوي زي الخشب والجريد. قالت بعزم: “هنقعد هنا الليلة. هننظف الورشة دي، ونفرش فيها أي حاجة. وعم مصطفى قبل ما يمشي، هيسيب لنا شوية مية وجبن من اللي معاه. وبكرة ربنا يحلها من عنده.”
​بعد محايلات، وافق عم مصطفى وخالتي زكية بالعافية. ساعدوها ينظفوا المكان، وطلعوا العيال كلهم من السرداب. التوأم كريم ورحيم كانوا ماسكين في بعض وبيعيطوا من الجوع، كريمة ودياب ورضوى وليلى رصوا نفسهم جنب الحيطة وبقوا يراقبوا سماح وهي بتتحرك زي النحلة. سماح طلعت من شنطتها الهدوم القليلة اللي معاها، وفرشتها على الأرض عشان العيال تنام عليها. قعدت تأكلهم حتت الجبن والعيش الناشف اللي خالتي زكية سابتهم لها، وبتسقيهم مية حبة حبة كأنها أم بتتعلم الأمومة في ليلة وضحاها.
​لما الليل ليل تماماً، ومبقاش مسموع غير صوت صرصار الليل والهوا اللي بيصفر وسط الخشب المحروق، العيال كلهم ناموا من التعب، إلا أحمد. كان قاعد ساند ضهره على الباب الخشبي وعينيه مفتوحة زي الصقر.
​سماح قربت منه وقعدت جنبه، وطلعت المصحف الصغير من جيبها وحطته بينها وبينه: “أحمد.. أنت كبيرهم وبطلهم. قولي بالراحة، إيه اللي حصل هنا؟ ومين اللي عمل فيكم كده؟”
​أحمد بلع ريقه وصوته كان واطي ومبحوح: “دول رجالة المعلم شداد الورداني. هو اللي مسيطر على تجارة الزرع والبهائم في الجبل كله. كان عايز يشتري أرض أبويا بقرشين صاغ عشان يضمها للمساحات الكبيرة بتاعته ويشغلها لحسابه. أبويا رفض، وقاله الأرض دي عرضي، وعندي عروسة جاية من مصر هتبني معايا البيت وتزرع الأرض. المعلم شداد قاله هتحرق أنت وعروستك وأرضك. وقبل الفجر بثلاث أيام، جم برجالتهم وولعوا في كل حاجة. أبويا وأمي جيرونا على السرداب، وقفلوه علينا.. ولما طلعنا تاني يوم الصبح.. لقينا..”
​أحمد مقدرش يكمل، والدموع نزلت حامية على خدوده. سماح خدته في حضنها وطبطبت عليه: “اششش.. خلاص يا حبيبي. حقهم هيرجع. بس قولي، نوسة قالت إن أبوك قال لو الست بتاعة الجوابات جت هتعرف السر.. قصدها إيه؟”
​أحمد مسح دموعه وبص لها بذكاء: “أبويا قبل ما يقفل علينا السرداب، قال لي: يا أحمد، لو جرالي حاجة، والست سماح جت، قولها تدور في المكان اللي وعدتها تفرش فيه سجادة الصلاة. هي هتعرف لوحدها.”
​سماح بربشت بعينيها، ودماغها بدأت تلف. جلال كان كاتب لها في الجواب الرابع: “أنا بنيت قِبلة صغيرة في صالة البيت، وحطيت تحتها طوب أبيض مخصوص جايبه من حتة غالية، عشان ده المكان اللي هتدعيلي فيه.”
​سماح قامت بسرعة، وأحمد قام وراها. طلعت برة الورشة في ضوء القمر اللي كان منور الأرض المحروقة كأنه كشاف رباني. مشيت وسط الرماد لحد ما وصلت لوسط البيت المهدود، وبدأت تدور برجلها وبتزيح الرماد الأسود. لحد ما رجليها خبطت في حاجة ناشفة ومش ملوثة بالسواد قوي.
​نزلت على ركبها وبدأت تحفر بإيديها والتراب يدخل تحت ضوافرها، لحد ما ظهرت بلاطات بيضة مرصوصة على شكل مربع صغير.. دي القِبلة!
​أحمد جاب حتة حديدة مكسورة من الأنقاض وبدأوا يخلعوا البلاط الأبيض ده. تحت البلاطة الثالثة، لقت فجوة صغيرة فيها صندوق حديد صغير بتاع زمان، ومقفول بقفل نحاس. سماح قلبت الصندوق في إيدها، وبصت للعلية النحاس الصغير اللي في رقبتها.. سلسلتها اللي فيها مفتاح قديم بتاع دولاب أمها الله يرحمها. جربت المفتاح في القفل، وبالمعجزة، القفل اتكتك واتفتح!
​جوة الصندوق مكانش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه ورق!
سماح فتحت الورق ولقته عقود ملكية قديمة للأرض دي وأراضي تانية حواليها، متبايعة من جود جلال الأصلي، وفيها خريطة غريبة مرسومة بخط الإيد، ومكتوب عليها “آبار المية الجوفية وممر القوافل القديم”. وجنب الورق ده، كان فيه دفتر صغير جلال كاتب فيه حسابات وإيصالات أمانة باسم “شداد الورداني” نفسه! إيصالات بفلوس كان شداد واخدها من جلال لحساب تجارة قديمة، والورق ده يثبت إن شداد هو اللي مديون لجلال بمبالغ ضخمة، وإن الأرض دي منبع مية حقيقي في وسط الجبل، وشداد كان عايز يوضع يده عليها عشان يقطع المية عن باقي المزارع ويسيطر على كل فلاحين المنطقة.
​”يعني الورق ده يدين شداد ويثبت ملكيتكم لكل شبر هنا؟” سماح سألت وأحمد هز راسه بعينين بتلمع: “أبويا كان شايل الورق ده عشان عارف إن شداد طامع في الأرض، وكان ناوي يروح للمجلس والنيابة في المدينة بعد فرحكم بيومين.”
​سماح ضمت الصندوق لبطنها وقالت: “يبجى الفرج جه يا أحمد. بكرة الصبح من النجمة، هناخد بعضنا ونروح للمركز.”
​بس الفرحة مكملتش. فجأة، سمعوا صوت كبس عربيات جيب ربع نقل، وأنوار كشافة قوية ضربت في وشهم وعمت عينيهم. العيال جوة الورشة صحيوا مفزوعين وبدأوا يصرخوا.
​عربيتين وقفوا ورا حيطة المزرعة، ونزل منهم خمس ست رجالة شايلين سلاح، وفي وسطهم راجل ضخم بلبcharcoal جلابية صعيدي غامقة، وشال ملفوف حولين رقبته، وعينيه طاير منها الشرر.. المعلم شداد بنفسه.
​شداد قرب وهو بيضحك ضحكة مكتومة تخوف: “يا مرحب بيا ست الحُسن اللي جاية من مصر. نورتي بلادنا المتفحمة. كنت فاكرك هتاخدي ديلك في سنانك وتهربي من أول ليلة، بس الظاهر إنك غاوية تنبشي في القبور.”
​سماح وقفت بكل ثبات، وخبت الصندوق ورا ضهرها، وأحمد وقف جنبها وهو ماسك الحديدة.
قالت بلهجة قوية هزت المكان: “أنا منبشتش في قبور يا شداد يا ورداني. أنا جيت أرض جوزي، ولقتني بين عيالي. والظالم ملوش قعاد وسطنا.”
​شداد ضحك بصوت عالي: “جوزك؟ جوزك خلاص بح.. شبع موت هو وأبوه وأمه، والعيال دول كان المفروض يموتوا معاهم لولا إنهم استخبوا زي الفئران. هاتي الصندوق اللي في إيدك ده يا بت الناس، وخدي الشنطة دي فيها قرشين ينفعوكي في مصر، وارجعي بكرامتك، بدل ما تلحقي بجلال الليلة دي.”
​سماح صرخت فيه: “على جثتي! الورق ده مش هيطلع من إيدي إلا على مكتب المأمور!”
​شداد وشه اتقلب وبقى زي الشيطان، وشاور لرجالتة: “هاتوا الصندوق، واخلصوا من الحرمة والعيال دي.. مش عايز أثر للمزرعة دي واصل!”
​الرجالة قربوا، والعيال جوة الورشة بقوا يصرخوا ويبكوا. سماح غمضت عينيها وضمت الصندوق وهي بتدعي في سرها: “يا رب.. أنا ملحقتش أفرح، احمي العيال الغلابة دول.”
​وفي اللحظة اللي الراجل الأول قرب يمسك سماح من كتفها، انطلقت سرينة بوليس هزت الجبل كله!
أنوار زرقاء وحمراء ظهرت من ورا المدق الجبلي، وثلاث عربيات بوكس تابعة لشرطة المركز حاصرت المكان في ثواني. ومن ورا العربيات ظهر عم مصطفى وهو بيصرخ: “هنا يا فندم! هنا الحرامية والقتالين!”
​اتاري عم مصطفى لما مشي بليل، قلبه مكلش طاوعه يسيب سماح والعيال، وهو راجع على الطريق شاف عربيات شداد الورداني داخلة المزرعة، فجرى بأقصى سرعة على مركز الشرطة اللي على الطريق السريع، وبلغ المأمور إن رجالة شداد رايحين يخلصوا على عروسة جلال واليتامى بعد ما حرقوا البيت. وبما إن جلال كان مقدم بلاغات قديمة ضد شداد بالتهديد، القوة جرت بسرعة للحوق بالمجزرة.
​الرجالة بتوع شداد رموا السلاح ورفعوا إيديهم، وشداد نفسه جرى يحاول يركب العربية بس العساكر حاصروه وكلبشوا إيديه. المأمور قرب من سماح اللي كانت بتترعش بس صامدة، وسلمت له الصندوق الحديد وهي بتقول: “الحق أهو يا فندم. ورق جلال والعيام، وإيصالات الأمانة اللي تخلي شداد يقضي بقية عمره ورا القضبان.”
​المأمور أخد الصندوق وبص لسماح باحترام كبير: “أنتي ست بوش بمليون راجل. لولا ثباتك وذكائك، كان المجرم ده هرب بعملته. حق جلال وأهله هيرجع، والأرض دي هتبقوا فيها ومحدش هيجرؤ يقرب لكم تاني.”
​بعد مرور ست شهور..
​المشهد اتمسح منه كل أثر للرماد والسواد. الأرض اللي كانت محروقة بقت خضراء وبتلمع بزراعة التين الشوكي والخضار. البيت الطين المهدود اتبنى مكانه بيت أبيض جميل وواسع، طوبته قوية، وفيه صالة واسعة مفرود فيها سجادة صلاة على البلاط الأبيض اللي كان مخبي السر.
​سماح كانت واقفة في المطبخ الجديد، بتعمل قهوة وريحتها قالية المكان، وبتنادي بصوتها العالي المبهج: “يا أحمد! يا كريمة! الغدا جاهز يا أولاد.. يلا عشان تلحقوا المذاكرة!”
​أحمد دخل وهو شايل شوال دقيق على كتفه، ووشه مليان صحة وفرحة، وبقى يسعدها في رص الطبلية الكبيرة اللي جلال كان نفسه يكبرها.. ودلوقتي بقت تسعهم كلهم.
​العيال الصغيرين كريم ورحيم كانوا بيجروا ورا بعض في الحوش وهم بيضحكوا، ونوسة الصغيرة كانت قاعدة على الكرسي الهزاز الجديد اللي عم مصطفى عملهولهم مخصوص بديل للكرسي المحروق، وهي ماسكة عروستها القماش اللي سماح خيطتها لها وبقت شكلها جميل.
​خالتي زكية دخلت من الباب ومعاها طبق فطير مشلتت سخن: “صباح الخير يا أم العيال.. يا أحن أم في الدنيا.”
​سماح ابتسمت ودمعة فرحة لمعت في عينيها. بصت لصورة جلال اللي علقتها على الحيطة وجنبها المصحف الصغير، وحست بإن روحه حاسة بيهم ومطمنة. جلال مات، بس ساب لها عزوة وحياة وعيلة مكنتش تحلم بيها.
​قعدوا كلهم حولين الطبلية، وبدأوا يأكلوا ويضحكوا، وأحمد بص لسماح وقال لها: “عارفة يا أمي؟ نوسة سألتني بليل سؤال غريب قوي.”
سماح ضحكت وقالت: “سألتك قالت لك إيه يا بطل؟”
أحمد ابتسم وغمز لها: “قالت لي.. هو بابا جلال لما بعت يجيب الست سماح من مصر، كان عارف إنها ساحرة وهتحول التراب لدهب، ولا هو السر اللي كان تحت البلاطة هو اللي عمل كده؟”
​سماح حطت إيدها على قلبها وبصت للعيال الثمانية اللي بقوا حياتها كلها، وقالت بصوت مليان ثقة غامضة وتشويق: “السر مكنش في الورق يا أحمد.. السر كان في الحاجة التانية اللي جلال شالها في الصندوق ومحدش خاد باله منها.. الخريطة القديمة لسه فيها جزء مقفول ومكتوب عليه كلام مشفر، والظاهر كده إن أرض جلال لسه مظهرتش كل اللي مخبياه تحت التراب.. والرحلة بتاعتنا يادوب لسه بتبتدي!”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *