خيانه حماتي

سماح ضمت الصندوق لصدرها أكتر، وبصت للراجل اللي نازل من العربية السودا بعين ثابتة، وقالت بحزم:
“مش هسلم ورقة واحدة إلا بأمر رسمي ومن النيابة.”
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، ومد بطاقة تعريفه قدامها وقال: “أنا المستشار حسام العشري، من لجنة التحقيق في قضايا التزوير والاستيلاء على أراضي الدولة. وإحنا بقالنا شهور بندور على الملفات دي.”
عم مصطفى قرب منه وهو متوجس: “ولو كلامك صح… إزاي عرفتوا مكانها؟”
المستشار رد وهو بيبص للخريطة: “لأن جلال قبل ما يموت بأسبوع بعت جواب مسجل للنيابة في المدينة. الجواب وصل بعد وفاته بيومين، وكان مكتوب فيه إنه لو حصله أي مكروه، يبقى فيه ملفات مخبية تثبت جرائم شبكة كبيرة، مش مجرد المعلم شداد.”
اتبدلت ملامح سماح، وحست إن جلال كان مرتب لكل خطوة قبل رحيله.
رجعوا كلهم للمزرعة وسط حراسة الشرطة، واتحفظت الملفات رسميًا، وبعد أيام بدأت التحقيقات.
كل يوم كان اسم جديد يظهر.
موظف في الشهر العقاري.
محاسب كبير.
تاجر مواشي معروف.
ومسؤول سابق كان بيزور عقود الأراضي مقابل رشاوى.
البلد كلها اتقلبت، والناس اللي كانت ساكتة سنين بدأت تتكلم.
واحدة ورا التانية، الأسر رجعت تاخد عقود أراضيها، والفلاحين بقوا ييجوا لسماح يشكروها وهي كانت ترد عليهم:
“الفضل لله… ثم لجلال اللي فكر فيكم قبل ما يفكر في نفسه.”
لكن في ليلة ممطرة، وبعد ما نام العيال، كان أحمد بيرتب الأوراق القديمة، وفجأة وقع منه ظرف صغير كان لازق بين صفحات دفتر جلال.
فتح الظرف بسرعة، ولقى مفتاح نحاس صغير جدًا، ومعاه ورقة مكتوب فيها:
“لو وصلت للمفتاح ده… يبقى لسه فيه أمانة أخيرة.”
جري على سماح.
أول ما شافت المفتاح، افتكرت إنه نفس شكل المفتاح اللي كان مرسوم في آخر صفحة من دفتر جلال.
قلبوا الصفحة، ولأول مرة لاحظوا جملة كانت مكتوبة بحبر سري، ما ظهرتش غير لما وقعت عليها نقطة مية من المطر.
ظهرت الكلمات بوضوح:
“ابحثوا تحت شجرة الجميز القديمة… لكن لا تذهبوا وحدكم.”
سماح بصت لأحمد وقالت: “واضح إن جد جلال كان مخبي حاجة تانية.”
تاني يوم الصبح، خرجت سماح ومعاها أحمد وعم مصطفى والمأمور وعدد من رجال الشرطة.
وقفوا عند شجرة الجميز الضخمة اللي كان جلال دايمًا يذكرها في جواباته.
بعد ساعات من الحفر، خبط الفأس في جسم معدني.
استخرجوا صندوقًا حديديًا أكبر من الأول.
لكن الغريب…
إن الصندوق كان مفتوحًا.
وفاضي.
ماعدا ورقة واحدة.
المأمور فتحها بحذر، وكانت مكتوبة بخط حديث، مش خط جد جلال.
قرأ بصوت مرتفع:
“وصلتوا متأخرين… اللي كنتوا بتدوروا عليه خرج من هنا من أسبوع. ولو عايزين تعرفوا مين أخده… اسألوا الشخص اللي كنتوا فاكرينه مات.”
ساد الصمت.
عم مصطفى وشه اصفر.
سماح قربت منه وقالت بقلق: “إنت عارف مين المقصود؟”
بلع ريقه بصعوبة، وقال:
“أيوه… لأن الراجل ده أنا شفته بعيني من أربع أيام.”
اتسعت عيون الجميع.
“مين؟”
رد بصوت مرتعش:
“جلال…”
وقبل ما حد ينطق بكلمة، سمعوا صوت محرك عربية يقترب بسرعة، ووقفت على بعد أمتار منهم، ونزل منها رجل طويل ملثم، رمى حقيبة صغيرة عند أقدام سماح، ثم ركب العربية واختفى وسط الطريق الترابي.
فتحت سماح الحقيبة بسرعة…
فلقت فيها هاتفًا قديمًا، ولما ضغطت على زر التشغيل، اشتغل على آخر رسالة صوتية مسجلة.
وانطلق صوت جعل الجميع يتجمد في أماكنهم:
“سماح… لو إنتي اللي بتسمعي الرسالة دي… يبقى أنا لسه عايش… لكن ممنوع حد يعرف الحقيقة دلوقتي

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *