خيانه حماتي

كانت الليلة هادية على غير العادة، لكن قلب سماح ماكانش هادي. بعد ما ناموا العيال كلهم، فتحت الصندوق الحديد تاني، وأخرجت الخريطة القديمة. قعدت تحت نور اللمبة الجاز، وبدأت تتأمل الخطوط الباهتة المرسومة بحبر شبه اختفى مع الزمن.
في آخر الخريطة كان فيه ركن صغير مطوي، ومقفول بخيط رفيع شمعه الأحمر لسه زي ما هو. أول ما فتحت الشمع، ظهر سطر بخط جد جلال:
“اللي يفتح الورقة دي يكون أمين على الأرض وأهلها… السر الحقيقي مش كنز دهب، السر حياة ناس.”
سماح بصت باستغراب، وقلبها دق بسرعة. كملت قراءة المكتوب، ولقت علامات غريبة مرسومة لحد سفح الجبل، ناحية عين مية قديمة محدش من أهل البلد كان بيروحها.
تاني يوم الصبح، أخدت أحمد وعم مصطفى، وسابوا خالتي زكية مع باقي العيال، وانطلقوا ناحية المكان.
المشوار كان طويل، وكل ما يقربوا، كانت العلامات على الصخور تبان أوضح. لحد ما وقفوا قدام صخرة كبيرة عليها نفس العلامة اللي في الخريطة.
قال عم مصطفى وهو بيمسح عرقه: “الصخرة دي موجودة من أيام جدي… عمر حد قدر يحركها.”
أحمد لمح حلقة حديد مدفونة في التراب.
شدها بكل قوته… وفجأة اتحركت الصخرة ببطء، وظهر مدخل نفق قديم.
نزلوا بحذر، ولما وصلوا آخر النفق، لقوا غرفة حجرية واسعة.
لكن المفاجأة كانت إن الغرفة ماكانش فيها صناديق دهب ولا مجوهرات.
كان فيها عشرات الملفات، وسجلات قديمة، وأختام رسمية، وعقود ملكية لأراضي ناس كتير في البلد.
وفي وسط الغرفة صندوق خشب صغير.
فتحته سماح، ولقت جواب مكتوب باسمها.
“إلى سماح… لو وصلتي هنا، يبقى ربنا كتبلك تكملي اللي أنا مقدرتش أكمله. الورق ده يثبت إن شداد وأبوه استولوا على أراضي عشرات الغلابة بالتزوير سنين طويلة. أنا جمعت الأدلة، لكن كنت محتاج حد شجاع يكمل الطريق. لو أنا مت… متخليش حق حد يضيع.”
دموع سماح نزلت وهي بتقرأ آخر كلمة.
خرجوا بالملفات كلها، لكن وهم خارجين لمح أحمد حاجة بتلمع بين الأحجار.
كانت ساعة جيب قديمة.
فتحها… فلقى جواها صورة صغيرة لجلال وهو طفل واقف جنب راجل كبير.
عم مصطفى أول ما شاف الصورة، وشه اتغير.
همس بصوت مرتعش: “مستحيل…”
سماح سألته بقلق: “في إيه يا عم مصطفى؟”
رد وهو بيبص للصورة: “الراجل اللي واقف جنب جلال… ده مش جده.”
“أمال مين؟”
سكت ثواني، وبعدين قال:
“ده اللواء فؤاد السيوفي… الراجل اللي اختفى من تلاتين سنة، والناس كلها قالت إنه مات في حادث… لكن واضح إنه كان مستخبي هنا، وكان شريك جد جلال في حماية الأراضي.”
قبل ما يستوعبوا الصدمة…
سمعوا صوت سيارة سوداء تقف فوق الجبل.
ونزل منها ثلاثة رجال ببدل رسمية.
أحدهم رفع ورقة وقال بصوت حازم:
“إحنا من جهة تحقيق خاصة… وجايين نستلم الملفات دي.”
سماح ضمت الصندوق لحضنها وسألت بثبات:
“بأي حق؟”
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة وقال:
“لأن القضية دي… لسه ما اتقفلتش، واللي قتل جلال… ماكانش شداد لوحده.”
اتجمدت ملامح الجميع…
لأن الحقيقة اللي عاشوا ست شهور يفتكروا إنهم وصلولها…
كانت مجرد أول صفحة في حكاية أكبر بكتي




