حاره البركه

لمحة نيوز
وسط الهرج والمرج ده كان صوت “سيد” ابو عبير بيقرب وهو جاي من آخر الحارة ووشه ميبشرش بخير، وفي نفس اللحظة ظهر “محسن” جوز نوسة وهو بيجري كأنه طالع من حرب، الاتنين وصلوا في وقت واحد، والموقف كان خلاص وصل لمرحلة كسر العضم، أم عبير كانت بتشد في شعرها ونوسة كانت بتشاور بصباعها وبتتوعد، والعيال الصغيرين واقفين مع أمهاتهم كأنهم في معركة مصيرية.
سيد وقف في نص الشارع، وبص لمراته بنظرة رعبتها: “يلا يا ولية ادخلي جوه مش مكسوفة من نفسك وإنتي بتزعقي كدة والناس كلها بتتفرّج علينا؟ ده إحنا بقالنا سنين جيران وبرضو كل يوم والتاني خناقة شكل”. أم عبير وهي بتنهج من كتر العياط والغضب: “لا يا سيد هي اللي بدأت شتمتني وقالت لي يا قليلة الرباية وأهانتني قدام عيالي، عايزني أقف أتفرج عليها وانا كرامتي بتتهان ..
محسن في الناحية التانية كان بيسحب نوسة من دراعها بهدوء بس ملامحه كانت صارمة: “بس يا نوسة استهدي بالله، إيه اللي حصل ده؟ ده إحنا عشرة عمر، تبيعي الجار عشان شوية تراب؟ العيب مش على اللي نفضت، العيب علينا إحنا اللي بنخلي جيراننا يتفرجوا علينا
كأننا في مسرحية”. نوسة وهي بتعيط: “يا محسن دي قاصدة! كل ما تلاقيني نشرت، تقوم منفضة، هي عارفة إن الملايات دي لسه غسلاها، عايزة تشبك فيا وخلاص ده ايه الهم ده …
الناس في الحارة بدأت تلم نفسها، وكل واحد بيدخل بيته ببطء عشان ميبانش إنه مهتم، لكن الودان صاغية لكل كلمة بتتقال. سيد بص لمحسن وقال له بصوت واطي: “بقولك إيه يا محسن، خلونا نخلص الموضوع ده عشان الستات دول لو سيبناهم هيكملوا لليل، إحنا محتاجين نقعد قعدة رجالة وننهي المهزلة دي”. محسن هز رأسه بالموافقة، وسحب مراته اللي كانت لسه بتبص لأم عبير بنظرة حقد ودخلها البيت وقفل الباب، وسيد عمل نفس الشيء مع مراته.
جوه بيت أم عبير، كان الهدوء مخيم، سيد قعد على الكرسي وبص لمراته وقال لها: “يا أم عبير، إحنا مش عايشين في غابة، إحنا في حارة والناس لبعضيها، إنتي عارفة إن نوسة ست على قد حالها ومالهاش في الحركات دي ، ليه بجد وصلتي الحواى للدرجة دي”. أم عبير قعدت وسكتت وبدأت دموعها تنزل، وقالت له: “يا سيد، أنا مكنش قصدي، بس هي دايماً بتستفزني، وكلامها بيوجع، أنا بحبها والله ومن يوم ماجم الحارة وانا بحاول اراعي الجيرة معاها بس الشيطان دخل بينا “.
في البيت التاني، نوسة كانت قاعدة بتشرب مية، ومحسن بيبص لها وبيقول لها: “يا نوسة، الجار للجار، السنة اللي فاتت لما تعبتي، مين اللي سابت بيتها وعيالها وفضلت جنبك في المستشفى؟ مش أم عبير؟ ليه بتنسي الوقفات دي في لحظة غضب؟ الخناقة دي بتهد بيوت يا نوسة، مش بس كلام بيتقال العيال اللي بيشوفوا أمهاتهم بيشتموا بعض هيطلعوا إزاي؟ هيتعلموا إن الجيرة عدواة . نوسة حست بندم كبير، وقالت له: “عندك حق يا محسن، أنا فعلاً كنت غبية، بس أعمل إيه بقا اهي الكلمة طلعت وخلاص. جوزها بصلها بطرف عينه واتنهد وسكت .
مرت ساعات قليلة، والليل جه، لكن القلوب كانت لسه مشحونة. الصبح بدري، قبل ما الشمس تطلع، نوسة قامت من النوم، وخدت بعضها وطلعت في البلكونة لقت أم عبير بتكنس الرصيف قدام بيتها، وقفت نوسة لحظة، وبعدين قالت بصوت هادي: “صباح الخير يا أم عبير”. أم عبير رفعت راسها باستغراب، وسككت للحظة وبعدين بصت لنوسة وقالت “صباح النور يا نوسة، يا رب تكوني نمتي مرتاحة”. نوسة ابتسمت وقالت لها: ” مش عارفة أنام من ساعتها، حقك عليا يا ستي مكنش لازم أقول الكلام اللي قلته، متزعليش من اختك . أم عبير سابت اللي في إيدها، وطلعت لنوسة شقتها خبطت ودخلت وقالت لها: “يا شيخة بلاش الكلام ده أنا اللي بدأت أنا اللي حقك عليا إحنا ولاد حتة واحدة، ومينفعش نفضل مخاصمين بعض.
الصلح ده كان ليه طعم تاني، كأن الحارة كلها اتنفست. سيد ومحسن كانوا بيشربوا الشاي على القهوة، وشافوا الموقف ده من بعيد بس مارضيوش يتدخلوا وسابوا ستاتهم يحلوا سوء التفاهم بينهم . سيد ضحك وقال “أهو ده اللي كنت مستنيه، الستات دول لو راعوا الاخوة والله الحارة كلها بتبقى في أمان” محسن رد عليه “الحمد لله، الجيرة دي أغلى من أي حاجة، ياما شلنا بعض في الضيق، والصلح خير.
الحياة رجعت لحارة “البركة” لطبيعتها، الضحكة رجعت والعيال رجعوا يلعبوا سوا، والجيران بقوا أكتر تماسكاً. أم عبير ونوسة بقوا بيشربوا الشاي مع بعض كل يوم الصبح، وبقوا هما اللي بيصلحوا بين أي حد في الحارة يختلف، لأنهم عرفوا إن الخناقة مهما طالت، بتسيب جرح، لكن الكلمة الحلوة هي اللي بتداوي.
تمت. روايات مشيرة محمد




