حاره البركه

حصري/ روايات مشيرة محمد

في حارة “البركة” اللي الحيطان فيها بتسمع بعضها والشبابيك وشوش بعض، بدأت الحكاية بكلمة صغيرة كبرت وبقت عاصفة. كانت الساعة يا دوب داخلة على عشرة الصبح، وقت ما كل ستات الحارة بينشروا غسيلهم عشان يلحقوا الشمس. “أم عبير” طلعت البلكونة في الدور التالت، وبدأت تنفض السجادة بتاعتها بكل عزم وقوة، مش داريانة إن تحتها مباشرة، في الدور التاني، “نوسة” كانت لسه فارشة الملايات البيضا اللي بتلمع من كتر النضافة، وفجأة، نزل وابل من التراب والغبار غطى الملايات وخلاها مهببة بعد ما كانت بتبرق.
نوسة

وقفت تحت في البلكونة، رفعت عينيها للسما وهي بتشد شعرها من الغيظ، وصرخت بصوت خلى الحارة كلها تقف على رجليها: “يا ساتر يا رب! إيه يا ولية إنتي معندكيش دم؟ أنا لسه غاسلة الملايات دي ومبيضاها، تروحي تنفضي الزفت والتراب فوقي ليه؟ هو أنا ناقصة قرفك ده؟ اتقي الله يا شيخة، ده أنتي ست مفترية صحيح .
أم عبير سابت السجادة من إيدها، واتسندت على سور البلكونة، وبصت لنوسة بنظرة احتقار وقالت بصوت حاد يقطع السكوت: “يا حبيبتي لو مش عاجبك الغسيل اللي بينقط مية على الدور اللي تحتك، كنتي غسلتي في بيتك ولا في الغسالة اللي جايباها بالتقسيط! وبعدين دي بلكونتي وأنفض فيها وقت ما أحب، و التراب اللي نزل ده ينضف ملاياتك اللي ريحتها صابون رخيص اتعدلي يا نوسة بدل ما انزل أعدلك أنا وأوريكي مين اللي مفترية بحق وحقيقي
نوسة اتجننت، والشرار طلع من عينيها، ورمت المشابك في الأرض وقالت: “يا قليلة الرباية؟ بتشتميني في بيتي؟ يا بايرة يا اللي جوزك مش طايق يدخل البيت بسبب لسانك الزفر، يا اللي الحارة كلها بتشتكي منك! والله ما أنا سايباكي، ده أنا هعرفك مقامك انزلي لو فيكي ذرة شجاعة يا بت ، ده أنا هخليكي عبرة لكل اللي في الحارة”.
في اللحظة دي، بدأت العيال تتجمع تحت، “عبير” ابن أم عبير خد طوبة وبدأ يحدفها ناحية غسيل نوسة، وبت نوسة بدأت تصوت وتولول وكأنها في معركة حربية، والستات بدأت تطلع من شبابيكها، في اللي بيزود النار وفي اللي بيحاول يهدّي، والشارع بقى حلبة مصارعة من غير حكم، وصوت شتايمهم خلط ريحة الطبيخ اللي طالعة من البيوت بمرارة الخناقة اللي بدأت تخرج عن السيطرة، وكل جارة بقت مستعدة تطلع كل اللي في قلبها التاني من سنين، وبقى الجيران بيتفرجوا على فضيحة الحارة المعتادة، ومش عارفين مين اللي هيطفي النار دي قبل ما تحرق الأخضر واليابس.

حصري/ روايات مشيرة محمد

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *