سؤال طفله

ده.
وصلوا الدرب الأحمر. البيوت القديمة المتلاصقة، الحواري الضيقة، ريحة الأصالة والتعب المخلوطين ببعض. ركن العربية على أول الشارع، ومشي ورا البنت الصغيرة وهي بتجري بهمة وسط الحواري لحد ما وقفت قدام بيت قديم متهالك، السلم بتاعه ضيق وضلمة.
طلعت نور وأحمد وراها لحد الدور الثالث. الباب كان موارب، وجوه كان فيه صوت كحة مكتومة وناشفة تقطع الصدر.
ماما! أنا جيت وجبتلك معايا عمو أحمد! نور دخلت الشقة وهي بتصرخ بفرحة.
أحمد دخل وراها. الشقة كانت عبارة عن أوضتين وصالة صغيرة جداً، الأثاث قديم ومتهالك بس المكان نظيف وزي الفل. على سرير في ركن الأوضة، كانت قاعدة ست في أواخر العشرينات، وشها شاحب جداً، وتحت عينيها سواد من التعب والقلة. أول ما شفت أحمد، اتخضت وحاولت ترفع غطا السرير عليها تستر نفسها وهي بتكح وتنهج.
نور! مين ده يا بنتي؟ وعيب كده إزاي تدخلي حد غريب! صباها كان ضعيف ومرتعش.
أحمد اتقدم خطوتين وحط إيده على صدره باحترام
ألف سلامة عليكي يا مدام. أنا أسف على الإزعاج والدخول المفاجئ ده. أنا اسمي أحمد زكي. قابلت نور في الجنينة، وهي حكتلي على… على الظرف اللي بتمروا بيه.
الأم بصت لنور بعتاب، والدموع اتجمعت في عينيها
يا بنتي فضحتيني وشحتي عليا في الشوارع؟ وبصت لأحمد بكسرة نفس تذوب الحجر يا بيه، إحنا ناس مستورين والله، وباباها الله يرحمه كان موظف محترم. بس المرض هدني، ومصاريف العلاج خلصت كل اللي ورايا وقدامي، وصاحب البيت مبرحمشي..
قبل ما تكمل كلامها، ظهر ورا أحمد في طرقة الشقة راجل ضخم، وشه غليظ، ولابس جلباب. كان بيبص لأحمد بنظرة كلها شك وطمع.
جرى إيه يا ست أم نور؟ مين الأستاذ؟ الراجل ده كان حسنين، صاحب البيت.
أحمد لف ببطء، وبص لحسنين من فوق لتحت ببرود يخوف. النظرة دي هي اللي أحمد بيستخدمها في اجتماعات مجلس الإدارة لما بيكون هيفرم منافسينه.
أنا قرايبهم يا معلم حسنين. أحمد قالها بصوت هادي ومخيف في نفس الوقت. وسمعت إن ليك باقي إيجار هنا؟
حسنين حس بهيبة أحمد وعربيته اللي شافها مركونة تحت، فنبرة صوته اتغيرت وبقت أهدى بس لسه فيها جشع
آه يا باشا.. عليهم إيجار خمس شهور، يعني حسابهم كله 10 آلاف جنيه بالخدمات. وأنا راجل على باب الله وبأكل عيالي من البيت ده روايات_مشيره_محمد
أحمد طلع محفظته، وسحب منها رزمة فلوس، وعدّ 20 ألف جنيه وحطهم في إيد حسنين
دول 20 ألف.. حساب الخمس شهور اللي فاتوا، وخمس شهور قدام. وعايز وصل مستلم بكل جنيه دلوقتي حالا.
حسنين عينه لمعت والفلوس دخلت جيبه في ثوانٍ
حاضر يا باشا! من عيوني! الست أم نور دي في حسبة اختي أصلاً وأنا كنت بصبر عليها!
أحمد بصه بنظرة خلت الكلمة تقف في زوره امشي هات الإيصال واقفل الباب وراك.. ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.
حسنين جرى بره الشقة وهو بيدعي لأحمد بالنصر والبركة.
جوه الأوضة، أم نور كانت بتعيط بحرقة، بس المرة دي دموع ارتياح. ونور كانت بتنط من الفرحة وتصقف قولتلك يا ماما! قولتلك عمو أحمد قوي ومش متجوز وهيساعدنا!
أحمد رجع بصل للأم وقالها بنبرة حنونة جداً
يا مدام، موضوع الإيجار ده تافه وانتهى. المهم دلوقتي صحتك. أنا كلمت دكتور صاحبي، أكبر استشاري صدر في مستشفى دار الفؤاد. الإسعاف هتيجي تاخدك كمان نص ساعة، وهتتشخصي وتعملي العملية وكل المصاريف مدفوعة.. متقلقيش من أي حاجة.
الأم مكنتش مصدقة، رفعت إيديها للسما وبقت تدعي ربنا يباركلك في صحتك ومالك يا ابني.. ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تسعد قلبك زي ما جبرت بخاطر غلابة..
الدعوة دي بالذات لمست حتة جوه أحمد كانت ميتة.
بعد مرور ست شهور..
الوضع اتغير تماماً. أم نور خفت وبقت زي الفل بعد ما عملت العملية وقضت فترة نقاهة، وأحمد نقلهم من الشقة القديمة لشقة تانية تابعة لشركته في مكان أرقى، وتكفل بمصاريف مدرسة نور.
في يوم جمعة، أحمد كان قاعد في الصالون في شقته بالزمالك. بس المرة دي الشقة مكنتش هادية ولا ضلمة.
كان فيه صوت ضحك عالي مالي المكان. نور كانت بتجري في الصالة ولابسة فستان جديد، ووراها كانت بتتحرك بخطوات هادية وابتسامة صافية.. مريم، خالة نور.
أحمد اتعرف على مريم خلال فترة تعب أختها؛ مريم كانت دكتورة أطفال شابة، رقيقة، وكرست حياتها لخدمة أختها وبنت أختها بعد وفاة والدهم. أحمد شاف فيها النقاء والجمال اللي كان بيدور عليه طول عمره في وسط مجتمع المزيفين اللي كان عايش فيه.
مريم قربت من أحمد وهي شايلة كوبايتين شاي، وقعدت جنبه، وبصتله بحب
سرحان في إيه يا أحمد؟
أحمد بصلها، وبعدين بص لنور اللي جت جري وقال وهو حاسس بقمة السعادة والرضا
سرحان في يوم الحد اللي فات عليه ست شهور.. في حديقة الأزهر. لما البنت الشقية دي سألتني هو أنت متجوز؟
نور رفعت راسها وضحكت بذكاء وعملتلك إيه بقى الدعوة دي يا عمو أحمد؟
أحمد باس راسها وقال الدعوة دي خلتني أعرف إن الفلوس ملهاش قيمة لو مكنتش بتسعد قلوب الناس.. وخلتني ألاقي العيلة اللي كنت هموت وأقضي عمري كله معاها.
مريم ابتسمت ودموع الفرحة في عينيها، وأحمد حس لأول مرة إن بيته مابقاش فاضي، وإن الروح رجعت لحياته من تاني.. والسبب كله، سؤال من طفلة عندها 6 سنين.
مرت سنتين على اليوم اللي غير حياة




