سؤال طفله

أحمد زكي بالكامل. الشاب المليونير اللي كان بيعاني من الوحدة القاتلة في شقته الواسعة في الزمالك، بقى دلوقتي عايش وسط عيلة حقيقية، عيلة هو اللي اختارها بقلبه، وبقت هي كل دنيته.
أحمد ومريم اتجوزوا في حفلة هادية وجميلة على النيل، حضرها كل الناس اللي بيحبوهم، وطبعاً نور كانت هي نجمة الحفلة، لابسة فستان أبيض ومنطلقة زي الفراشة بين المعازيم، وفرحتها ب عمو أحمد اللي بقى رسمياً جوز خالتها وفي مقام والدها، كانت متتوصفش. أم نور كمان صحتها بقت بوم، ورجعت لضحكتها القديمة وبقت بتدير مشغل صغير للخياطة أحمد ساعدها تفتحه عشان تحس بكيانها واستقلاليتها.
في صباح يوم جمعة مشمس من أيام شهر طوبة، أحمد صحي على ريحة قهوة ومخبوزات مالية البيت. فتح عينه لقى مريم قاعدة جنبه على السرير، بتبتسم وبتبص له بحنان روايات_مشيره_محمد
صباح الخير يا حبيبي.. كل ده نوم؟ مريم قالتها وهي بتمسح على شعره.
أحمد ابتسم صباح النور والورد.. الواحد من كتر الراحة اللي عايش فيها بقى بينام نوم عميق مكنش بيعرف يدوقه زمان. الساعة كام؟
الساعة عشرة.. ونور صاحية من بدري ولبست ومستنياك بره في الصالة، وعمالة تخبط على الباب كل خمس دقائق وتقولي هو عمو أحمد مش هيصحى بقى؟ إحنا متفقين!
أحمد ضحك وافتكر الاتفاق. النهاردة ذكرى مرور سنتين على المقابلة الأولى في حديقة الأزهر، ونور كانت مأكدة عليه من أسبوع إن اليوم ده لازم يقضوه كله مع بعض في نفس المكان.
قام أحمد بسرعة، غسل وشه ولبس ترينج كاجوال مريح، وخرج الصالة. لقى نور واقفة وحاطة إيدها في وسطها، وبتبص له بنظرة لوم طفولية مضحكة جداً. نور كبرت شوية، بقت في تانية ابتدائي، وضفايرها بقت أطول، وعينيها لسه شايلة نفس الذكاء واللماضة اللي خطفت قلبه من أول يوم.
تأخير كبير جداً يا بشمهندس أحمد! إحنا كدة هنتأخر على الجنينة، والناس هتاخد مكاننا على الدكة! نور قالتها بنبرة جدية أوي.
أحمد نزل على ركبته وباس إيدها أنا أسف جداً يا سيادة المستشارة نور.. حقك عليا. ثواني وأكون جاهز وننزل عل طول.
بعد ساعة، كانت العربية المرسيدس السودا بتقف تاني قدام حديقة الأزهر. الجو كان فيه نسمة برد خفيفة بس الشمس كانت دافية ومخلية المكان مبهج. نزل أحمد ومريم ونور، ومشيوا جوه الممرات الخضراء. المكان كان زحمة كالعادة، عائلات وأطفال وجو مصري أصيل مليان دفا.
نور سحبت إيد أحمد وجريت بيه لحد ما وصلت لنفس الدكة الخشبية اللي تقابلوا عليها أول مرة. لحسن الحظ، الدكة كانت فاضية.
هي دي! نور قعدت ونطت فوقيها، ورجليها الم المرة دي بقت أطول شوية وقربت تلمس الأرض. فاكر يا عمو أحمد لما قعدت هنا وأنا سألتك السؤال الخطير؟
أحمد قعد جنبها ومريم قعدت الناحية التانية وسندت راسها على كتفه. أحمد قال بنبرة حنينة فاكر طبعاً يا نور.. ده يوم عمري ما هنساه. كنت قاعد هنا وبقول لنفسي إن مفيش فايدة من كل حاجة عملتها في حياتي، وكنت حاسس إن مفيش حد بيحبني.. لحد ما ظهرتِ أنتِ بفستانك المكوي وسؤالك الغريب.
مريم ضحكت وقالت أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن نور كان عندها الشجاعة دي! طفلة عندها ست سنين تروح لراجل غريب تسأله أنت متجوز ولا لأ عشان تحل مشكلة الإيجار!
نور رفعت مناخيرها لفوق بثقة أنا كنت عارفة إني بعمل إيه.. النية كانت صافية، وربنا بعت لنا عمو أحمد عشان هو طيب.
وأما هم بيتكلموا ويضحكوا، أحمد لفت انتباهه راجل مسن، لابس بالطو قديم وشكله تعبان، قاعد على دكة قريبة ومنكس راسه بين إيديه، وباين عليه هموم الدنيا كلها. المنظر فكر أحمد بنفسه من سنتين.. فكره بكسرة النفس والوحدة، حتى لو كانت الأسباب مختلفة.
أحمد بص لنور ومريم، وبعدين طلع من جيبه ظرف مقفول. الظرف ده أحمد كان مجهزه من الصبح، جواه مبلغ مالي محترم، وكان ناوي يديه لأي حد محتاج يقابله في طريقهم النهاردة كنوع من الشكر لله على النعمة اللي هو فيها.
أحمد وطي على نور وهمس في ودنها نور.. شايفة الراجل الطيب اللي قاعد هناك ده وزعلان؟
نور بصت للراجل وهزت راسها بحزن آه يا عمو.. شكله زعلان أوي وزي ما يكون عيان.
أحمد اداها الظرف في إيدها وقالها طب إيه رأيك تروحي تتبعي نفس خطتك القديمة؟ روحي ادي له الظرف ده، وقولي له كلمة حلوة تفرح قلبه.. قولي له إن ربنا بيبعت الرزق في وقته.
عيني نور لمعت بفرحة وشغف، أخدت الظرف وقامت تجري بخطوات خفيفة لحد ما وصلت للراجل المسن. أحمد ومريم كانوا بيراقبوها من بعيد وبسمة مليانة حب على وشوشهم.
نور وقفت قدام الراجل، وكلمته بصوت واطي مسمعوش أحمد، بس شافوا الراجل وهو بيرفع راسه بذهول، ويبص للظرف وبعدين يبص لنور. دموع الراجل نزلت، وأخد نور ودعا لها بحرارة وهو بيبص للسما. نور سابته وجريت رجعت لأحمد ومريم وهي بتضحك.
قولتِ له إيه يا نور؟ مريم سألتها وهي بتمسح على شعرها.
نور قالت ببراءة قولت له عمو أحمد بيقولك متزعلش، ربنا دايماً بيبعت الناس لبعضها في الوقت الصح.. والظرف ده هدية من ربنا ليك روايات_مشيره_محمد
أحمد حس بقشعريرة في جسمه كله. لقى نفسه بيشد مريم ونور. الفلوس والنجاح والشركات والملايين.. كل ده مكنش يسوى لحظة واحدة من اللحظات
دي. النجاح الحقيقي مكنش في رصيد البنك، النجاح كان في القدرة على مسح دمعة من على وش إنسان، وفي الحب الصافي اللي مالي حياته دلوقتي.
بعد ما قضوا اليوم في الجنينة وأكلوا وغنوا، رجعوا البيت بالليل. نور كانت هبطت من كتر اللعب، ودخلت أوضتها نامت عل طول وهي حاضنة دبدوبها الجديد.
أحمد ومريم كانوا واقفين في البلكونة اللي بتبص على النيل، الهوا كان بارد وأضواء القاهرة منورة وبتعكس على المية في منظر ساحر. مريم كانت ماسكة كوباية سحلب دافية، ولفة شال حولين كتافها.
أحمد حط إيده حولين وسط مريم وسألها مريم.. أنتِ مبسوطة معايا؟
مريم لفت وبصت في عينه، وعينيها كانت بتلمع بأدق مشاعر الحب أنا عمري ما عرفت طعم الأمان والسعادة الحقيقية إلا معاك يا أحمد. أنت مش بس أنقذت أختي وبنتها، أنت غيرت مفهوم الحياة بالنسبة لنا كلنا. أنت رزقنا اللي ربنا بعته.
أحمد سكت شوية، وبعدين حط إيده على بطن مريم اللي بدأت تظهر عليها ملامح الحمل الخفيف في الشهر الثالث، وقال بصوت مليان شجن وفرحة والبيبي الجديد اللي جاي في السكة ده.. هيكون أحلى حاجة حصلت لنا. أنا مش مصدق إن كمان كام شهر هكون أب بجد.. هسمع كلمة بابا من طفل حتة مني ومنك.
مريم ابتسمت وحطت إيدها فوق إيده وهيكون عنده أحلى أخت كبيرة في الدنيا.. نور هتعلمه اللماضة والذكاء من صغره.
أحمد ضحك من قلبه، وبص للنيل وهو حاسس بامتنان عظيم لكل ثانية مرت في حياته، حتى للحظات الوجع والوحدة القديمة، لأنها هي اللي قادته للدكة دي في حديقة الأزهر.. وهي اللي خلته يقابل الطفلة اللي غيرت قدره بسؤال واحد.
قفل أحمد باب البلكونة، ودخل هو ومريم للبيت الدافي، البيت اللي مابقاش فيه مكان للسكوت أو الفراغ، وبقى مليان بضحكات الأطفال، ودعوات الأمهات، وحب السنين اللي جاي.
تمت. مشيره محمد




