جوزي كان بيضربني

على الأقل، هذا ما كان رضا يخبرني به كل يوم.
بعد مرور ساعة تقريباً، سمعت خطوات في الممر.
طلب الطبيب التحدث مع زوجي أولاً.
كنت لا أزال داخل الغرفة، ضعيفة، أشعر بالدوار، لكني كنت واعية.
سمعت صوت تقليب أوراق.
ثم ساد صمت طويل.. صمت مخيف.
ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الدم يتجمد في العروق.
جاء صوت الطبيب منخفضاً وحاداً: “يا أستاذ رضا.. أنت متأكد إن مراتك وقعت من على السلم؟”
لم يرد رضا.
فجأة، فُتح الباب بقوة.
دخل رضا والغرفة تدور به، كانت ورقة الأشعة ترتجف في يده.
وجهه كان قد فقد كل ذرة لون، أصبح شاحباً كالموتى.
لأول مرة منذ تسع سنوات، رأيت زوجي
خائفاً مني.
كان يحدق في بطني..
ثم في ضلوعي..
ثم في الطبيب الواقف خلفه.
فتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج.
اقترب الطبيب من سريري وتحدث ببطء ووضوح، لكي لا يتظاهر أحد بأنه لم يسمع:
“يا مدام مريم.. الأشعة دي كشفت حاجة جوزك كان مخبيها عنك وعن نفسه لسنين، —؟………
قال الطبيب بصوت حازم جعل “رضا” يتراجع للخلف خطوة:
“يا مدام مريم.. الأشعة دي مش بس كشفت كسر في الضلوع، دي كشفت سر جوزك مخبيه عنك من سنين. الأستاذ رضا عنده حالة طبية نادرة ناتجة عن إصابة قديمة أو عملية جراحية، والأشعة والتحاليل بتؤكد إنه عقيم تماماً وغير قادر على الإنجاب من الأساس.. وبقاله سنين عارف كدة!”
ساد صمت قاتل. رضا قبض يده على ورقة الأشعة حتى تمزقت، ووجهه تحول للون الرمادي.
صرخت فيه بذهول: “عقيم؟ يعني إيه؟ ليلى وكاميليا يبقوا ولاد مين؟ إنت بتقول إيه يا دكتور؟”
نظر الطبيب إليّ بشفقة وقال: “مدام مريم، الأشعة والتحاليل أثبتت إن بنتك الكبيرة (ليلى) والصغيرة (كاميليا) هما بناتك إنتي بس.. علمياً ده مستحيل، لكن الحقيقة كانت عند “رضا” وأمه.”
في اللحظة دي، الست زينب (حماتي) دخلت الغرفة، ووشها كان خالي من أي تعبير غير الجمود. بصيت لها وقولت: “إنتي عارفة.. صح؟”
نطقت ببرود: “البيت اللي مفيش فيه عيل، بيت خربان.. ورضا كان لازم يبقى قدام الناس راجل.”
وهنا كشف الطبيب المفاجأة الحقيقية:
“الورق اللي قدامي بيقول إن رضا، بالتعاون مع والدته، لجأوا لعمليات تلقيح مجهري (أطفال أنابيب) من سنوات طويلة باستخدام عينات كان رضا “مخزنها” في بنك
العينات قبل ما تجيله الإصابة اللي سببت له العقم الدائم.. هو كان عارف إن الفرص اللي عنده خلصت، وإن العينات دي كانت محدودة جداً.”
رضا كان عارف إن “المخزون” اللي عنده خلص، وإن ليلى وكاميليا هما آخر فرصة ليه في الدنيا، ومع ذلك كان بيضربني ويهينني ويقول إني “بجيب بنات” عشان يداري على وجيعة قلبه إنه مبقاش يقدر يخلف تاني، وعشان يكسر عيني فمافكرش يوم أسأله: “ليه مابنجيبش ولد؟”




