كاميرات مستخبيه

الأسانسير وهو نازل كان بيتحرك ببطء قاتل، كأنه بيمهد لي لولادة جديدة، كنت سامعة ضربات قلبي جوة وداني، بس المرة دي ماكنتش ضربات خوف، دي كانت طبول حرب. يوسف ابني كان ماسك في صوابعي جامد، عينيه الذكية كانت بتلف بيني وبين أخته نور اللي نامت على كتفي وهي مش فاهمة أي حاجة من الخراب اللي بيحصل حواليها. أول ما باب الأسانسير اتفتح على صالة العمارة الواسعة في الدقي، قابلتني الأستاذة تهاني، المحامية بتاعتي، بوشها الصارم ونظارتها اللي نازلة على طرف مناخيرها، مديت إيديها بسرعة وأخدت مني نور تريحني، وقالت بصوت واطي ومسموع ليا أنا بس: “كله تمام يا مريم، الشنط كلها في عربية المطار، والراجل بتاع النقل خلص على شقة المهندسين ومبقاش فيها حتى قشاية تخصك، والورق اللي في إيدي ده هينزل المحكمة بكره الصبح مع إنذار على يد محضر لشريف بيه وعيلته المصونة.. بس قوليلي، رميتي الكلمة؟”

ابتسمت ابتسامة باردة وأنا ببص على باب الأسانسير اللي كان لسه مقفول، وشريف ونادية لسه فوق بيستوعبوا القنبلة: “رميتها يا متر، زمانه بيجري دلوقتي على عيادة المهندسين وهو ركبه بتخبط في بعضها.. تفتكري هيلحق؟” تهاني ضحكت ضحكة مكتومة وهي بتتحرك معايا لبرة المبنى: “يلحق إيه يا بنتي! ده الدكتور رمزي صاحب جوزي، وأنا مخلية جوزي يكلمه بنفسه يوصيه أول ما شريف ونادية وست الحسن ياسمين يدخلوا، الحقيقة مابتستناش يا مريم، ويلا بينا على المطار عشان طيارتك لدبي ميفوتناش ميعادها، ومن هناك تطلعي على إسبانيا زي ما رتبنا”.

ركبنا العربية السودا، وطول الطريق للمطار كنت حاطة راسي على الشباك وببص على شوارع القاهرة اللي بتجري من قدامي، تسع سنين كاملة مرت في شريط سريع، تسع سنين وأنا مستحملة قرف نادية وتحكماتها، وسكوت شريف وضعف شخصيته قدامها، كانوا دايماً يحسسوني إني أقل منهم عشان أهلي ناس طيبين من الفلاحين وعندهم أرض وعزبة، وشايفين نفسهم أسياد البلد لمجرد إن عندهم فلوس وشركات استيراد وتصدير، لدرجة إن لما ستي الله يرحمها ماتت من شهرين وسابت لي البيت القديم والعزبة اللي في القليوبية، نادية حماتي قالت لي بالنص: “أهو ده مقامك ومقام أهلك، بيوت من طوب لبن وعشش فراخ، إياكِ تفتكري إن المخروبة دي هتعمل لك قيمة في عيلة الشناوي”.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *