جوزي قلع حذامه

تاني يوم بعد ما رجعنا من شهر العسل، جوزي قلع حزامه وابتسم وهو بيقولي: “جه الوقت بقى عشان أعرفك قواعد البيت وأعلمك إزاي تبقي زوجة مطيعة”. بكل هدوء، قمت لبست لبس الملاكمة بتاعي، وشدّيت قفازاتي بأسناني وقلتله: “حلو قوي، كنت لسه بدور على حد أتمرن معاه”. في ثانية، الضحكة اختفت من على وشه.
​أول حاجة عملها مدحت بعد ما رجعنا من شهر العسل ما كانتش إنه يبوسني ويقولي تصبحي على خير.
لأ، ده قلع حزامه!
​خبط التوكة الحديد بتاعة الحزام في أباجورة الكومودينو، وعملت صوت رن في الأوضة زي ضربة النار.
مدحت ابتسم..
بس مش ابتسامة غضب، دي كانت ابتسامة رِضا وثقة.
كأن دي اللحظة اللي كان مستنيها من يوم ما كتبنا الكتاب.
​”دلوقتي بقى وشهر العسل خلص”، قالها وهو بيلف الحزام الجلد على إيده بالراحة، “جه الوقت اللي تتعلمي فيه إزاي تسمعي الكلام وتبقي زوجة بجد”.
​من تلات ساعات بس، كنا لسه نازلين من طيارة الغردقة.
شنطتي كانت لسه مفتوحة على السرير، نصها فساتين صيفي ملونة، وصن بلوك، وصور لاتنين مأنتخين بيمثلوا إنهم عايشين الجوازة المثالية.
​لو فكرت فيها، علامات الخطر كانت واضحة من الأول بس أنا اللي عميت:
​كان بيتريق على لبسي.
​يعدل طريقتي وأنا بتكلم مع الويترز في المطاعم.
​طلب مني باسوردات حساباتي في البنك.
​كنت فاكرة كل ده غيرة وحب تحكم، بس الحزام اللي في إيده فوقني من الوهم ده للأبد.
​ما صرختش..
وما اتصدمتش ولا قعدت أعيط وأتوسل له.
بدل كل ده، فكيت زراير قميصي الواسع بكل برود وسبته يقع على الكرسي اللي جنب السرير.
​ابتسامته وسعت

أكتر وقال: “شاطرة.. الطاعة بتسهل الأمور عليكي”.
​بس اللي ما كانش يعرفه إن تحت القميص ده كنت لابسة تيشيرت أسود وشورت رياضي.
ومن غير ما عيني تنزل من عليه، مديت إيدي في الشنطة وطلعت قفازات الملاكمة الحمراء بتاعتي، وربطت الأحزمة بأسناني.
وبعدين ابتسمت له.
​”جه في وقتك والله”، قلتها ببرود تام. “كنت محتاجة كيس ملاكمة أفرغ فيه طاقتي”.
​لمح لمحة، ومدحت متنح ومذهول..
وبعدين فرقع من الضحك، ضحك لدرجة إنه كان هيوقع الحزام من إيده.
هو كان عارف إني شغال في جيم في المنطقة.. بس كان فاكرني بقطع اشتراكات، بمسح الأجهزة، أو واقفة على الريسبشن أبتسم للزبائن.
ما فكرش مرة يسألني ليه عقل صوابعي دايماً معلمة؟
أو ليه فيه صورة برواز على مكتبي وأنا شايلة كأس بطولة الجمهورية للملاكمة؟
​بدأ هو بالضربة الأولى..
طوّح الحزام في الهواء بكل غل، بس أنا فاديته في ثانية، وخدت خطوة لورا، واديتله بونية في نص صدره.. بونية موزونة خلت غطروسته تتبخر ويحل مكانها الصدمة.
​هجم تاني زي الثور الهايج..
عشوائي، وغبي، ومتوقع.
مسكت معصم إيده، وبلفة سريعة، كcustom ساقه، ورزعته على السجادة لدرجة إن كل الهوا طار من رئتيه ومبقاش قادر يتنفس.
​كان ممكن أكسرله مناخيره.. بس تراجعت.
طلعت تليفوني، ودوست على زرار الطوارئ، وقلتله بكلمة واحدة: “اطلع برة”.
​وشه اتلوى من الذل وهو قايم: “أنتي ضربتيني؟ والله لأفضحك وأقول للناس كلها إنك اتهجمتي عليا!”
​شاورتله بعيني على الكاميرا الصغيرة المستخبية جوة جهاز إنذار الحريق..
وقلتله: “الفيديو ده هيعمل نسبة مشاهدة عالية جداً على الفيس بوك”.
​في لحظة، كل الشجاعة والغل اللي في وشه اختفوا، وظهرت نظرة باردة ومرعبة..
وقف، مسك تليفونه، وطلب أمه علطول.
“أمي”، قالها وهو عينه عليا، “البت اتجننت وقامت عليا”.
​صوت أمه جه من الاسبيكر في ثانية: “يبقى تنفذ الخطة فوراً يا مدحت، قبل ما تفهم وتشم خبر إحنا اتجوزناها ليه!”
​ملامحي ما اتهزتش.. على الأقل من برة.
بس من جوة، كل حاجة ثبتت وبقت واضحة زي الشمس.
مدحت كروت الخطوبة والجواز بسرعة أول ما عرف إن أبويا الله يرحمه سابلي كذا عقار ومحلات تسوى ملايين..
افتكر إن حزني على أبويا مخليني مكسورة، وإن وحدتي هتخليني صيد سهل يلعب بيه.
​من غير ولا كلمة، دوست على زرار تسجيل المكالمة.
صوت أمه اتقلب لهمس وخبث وهي بتقول: “خلّيها تمضي على التنازل بكرة الصبح.. أول ما الأملاك تتنقل باسمنا، مبقاش يهمنّا إيه اللي يحصل في الجوازة دي ولا تفرق معانا في حاجة!”
​:#روايات_مشيره_محمد
أول ما سمعت جملة حماتي: “أول ما الأملاك تتنقل باسمنا، مبقاش يهمنا إيه اللي يحصل في الجوازة دي”، حسيت بدمي بيغلي، بس في نفس الوقت، عقلي بقى صافي وبارد زي التلج. كل القطع الناقصة في المكعب ركبت في مكانها. مدحت وأمه ما كانوش بيدوروا على زواجة، دول كانوا داخلين سبوبة، فاكرين البنت اليتيمة اللي ملهاش ضهر هتبقى لقمة طرية يبلعوها ويهضموا معاها شقى أبويا الله يرحمه.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *