يتجوز بنت صاحبتها

إذا اجتمع جاد الجارحي ورحمة مصطفى عزت تحت سقفٍ واحد.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول…
ولم يجرؤ أحد على فتح الظرف بعد فؤاد بيه ظل ماسك الظرف بين إيديه، وكأن وزنه بقى أطنان.
مديحة هانم قالت بعصبية
افتحه وخلاص… هو إحنا هنفضل مستنيين إيه؟
لكن عم حسين هز رأسه بسرعة.
استني يا هانم… يمكن المقصود إنهم يكونوا مجتمعين بإرادتهم، مش مجرد واقفين في نفس المكان.
جاد مد إيده بهدوء.
هات الظرف.
أخذه، وقلبه بين إيديه.
كان قديم جدًا، لكن مقفول بالشمع الأحمر، وعليه توقيع والد رحمة.
بص لرحمة وقال
إنتِ موافقة نفتحه؟
رحمة بصت للظرف طويلًا، ثم هزت رأسها.
لو ده آخر حاجة بابا سابهولي… فأنا لازم أعرف.
جاد كسر ختم الشمع بحذر.
الكل حبس أنفاسه.
طلع ورقة واحدة فقط.
فتحها وبدأ يقرأ، لكن بعد أول سطر، ملامحه اتبدلت.
فؤاد بيه قال بقلق
في إيه؟
جاد ناوله الورقة.
قرأها بصوت مسموع
إذا وصلتم إلى هذه الرسالة، فاعرفوا أن الحقيقة اقتربت. لا تثقوا في أي ملف موجود خارج الخزنة، لأن هناك من استبدله منذ سنوات. أما الشخص الذي يبحث عن المفتاح الآن، فهو لا يريد المال… بل يريد إخفاء الحقيقة.
سكت لحظة، ثم أكمل
وأول دليل ستجدونه داخل مكتبي القديم في شركة الجارحي.
سميرة هانم شهقت.
مكتب إيه؟ المكتب ده اتقفل بعد وفاة والدك، يا جاد.
جاد رفع رأسه.
واتقفل بالمفتاح… ومحدش دخله من يومها.
عم حسين قال بسرعة
يبقى لازم نروح حالًا.
بعد أقل من نصف ساعة…
وصلت عربياتهم إلى المقر الرئيسي لشركات الجارحي.
المبنى كان هادئًا لأن الدوام انتهى، لكن أفراد الأمن فتحوا لهم فورًا.
أول ما دخل جاد، استقبلهم مدير الأمن وقال
باشمهندس… المكتب زي ما هو من سنين.
طلعوا للدور الأخير.
وقف جاد قدام باب خشب ضخم، وعليه لوحة نحاس مكتوب عليها اسم والده.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من سلسلة مفاتيحه.
لفه في القفل…
لكن الباب ما اتفتحش.
كرر المحاولة.
برضه لأ.
مدير الأمن قال باستغراب
غريبة… القفل متغير.
جاد لف ناحيته بسرعة.
إيه؟!
القفل ده مش هو اللي كان راكب زمان.
الكل بص لبعضه.
يعني…
حد دخل المكتب بعد وفاة والده.
وفجأة…
سمعوا صوت حركة خفيفة من جوه المكتب.
كل الأنظار اتجهت ناحية الباب.
الصمت سيطر على المكان.
ثم…
اتسمع صوت درج بيتقفل بسرعة…
كأن فيه شخص كان موجود بالداخل، ولسه عرف إنهم وصلوا النهاية
جاد أشار للجميع يرجعوا خطوة، ثم قال لمدير الأمن
اكسروا الباب.
في ثوانٍ، اندفع أفراد الأمن وكسروا القفل.
فتح الباب بقوة…
لكن المكتب كان فاضي.
الكرسي بيتحرك كأنه حد كان قاعد عليه من لحظات، والشباك الخلفي مفتوح.
اقترب جاد من المكتب، فوجد ورقة صغيرة فوقه مكتوب فيها
تأخرتوا. .. لكن الحقيقة مستحيل تموت.
نظر حوله بسرعة، ثم لمح خلف المكتبة الحديدية جزءًا من خزنة حائط قديمة لم يكن يعرف بوجودها.
أخرجت رحمة المفتاح النحاسي من الشنطة، وبصت إلى عمها.
هو ده؟
هز فؤاد بيه رأسه.
أدخل جاد المفتاح في القفل…
ودار من أول مرة.
فتحت الخزنة ببطء.
لم تكن مليئة بالأموال أو الذهب، بل بملفات، وعقود، وفلاشة إلكترونية، ورسالة مختومة باسم والد جاد.
فتح جاد الرسالة، وبدأ يقرأ بصوت مرتجف
يا ابني… لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. اعرف إن المهندس مصطفى عزت كان أشرف راجل اشتغلت معاه. يوم اكتشفنا محاولة تزوير كبيرة في أحد المشروعات، رفض يوقّع على مستندات مزيفة، وقرر يبلغ الجهات المختصة. بعدها بأيام حصل الحادث اللي الكل افتكره قضاء وقدر… لكن الحقيقة إن في ناس حاولت تستفيد من موته وتخفي الأدلة.
شهقت رحمة، ودموعها نزلت وهي تسمع اسم أبيها.
أكمل جاد القراءة
أنا خبّيت نسخة من كل المستندات، واتفقت مع مصطفى إن بنته تاخد الأمانة لما تكبر. لو الرسالة دي وصلت ليكم، سلّموا كل حاجة للنيابة، ومتدوروش على انتقام… خلو القانون ياخد مجراه.
نظر فؤاد بيه إلى الملفات، فوجد عليها توقيعات وأختام تثبت كل شيء.
أما الفلاشة، فكانت تحتوي على تسجيلات وصور ومستندات تؤكد محاولة التزوير، وتبرئ والد رحمة تمامًا.
في اليوم التالي، سُلِّمت جميع الأدلة للجهات المختصة.
وبعد تحقيقات استمرت عدة أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة، وأُغلقت القضية بعد معاقبة كل من شارك في التزوير وإخفاء الأدلة.
واستعاد اسم المهندس مصطفى عزت سمعته، وأُعلن رسميًا أنه كان بريئًا، وأنه دافع عن الأمانة حتى آخر لحظة.
أما رحمة…
فلم تعد خادمة في بيت عمها.
رفضت أن تعيش على شفقة أحد، وأكملت دراستها التي كانت قد توقفت، بمساعدة فؤاد بيه الذي اعتذر لها أمام الجميع عن تقصيره في حمايتها.
وفي أحد الأيام، دخل جاد إلى مكتبها الجديد في الشركة، ووضع أمامها علبة صغيرة.
ابتسمت باستغراب.
إيه دي؟
ابتسم لأول مرة من قلبه وقال
المرة الأولى طلبت إيدك وأنا كنت غضبان من الدنيا كلها… وده كان أكبر غلط.
فتح العلبة، وظهر خاتم بسيط.
ثم قال بهدوء
النهارده بطلب إيدك لأني عرفت معدنك، وشفت صبرك وأخلاقك… ولو رفضتي، هاحترم قرارك.
رحمة سكتت لحظات، ثم ابتسمت والدموع في عينيها.
الموافقة دي… مش عشان الخاتم، ولا عشان اسم الجارحي… عشان الإنسان اللي عرف يرجع يثق في الناس من تاني.
وبعد أشهر، امتلأت الفيلا بالفرح بدل التوتر.
كانت سميرة هانم أول من احتضن رحمة، بينما وقفت نور تبتسم وهي تقول
أنا من أول يوم عرفت إن ربنا كاتب لكل واحد نصيبه.
ابتسم جاد وهو ينظر إلى رحمة، وأدرك أن الجرح الذي صنعته الخيانة لم يشفه الانتقام… بل شفته الثقة، والصدق، والاختيار الصحيح.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *