بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم عقد جواز على ورق دايب للكاتبة نرمين عادل همام تخيل إنك عايش 8 سنين كاملين فاكر إن حياتك مبنية على صخر، شايف بيتك وعيالك وجوزك اللي اخترتيه وحاربتي عشان تكوني معاه، وتكتشفي في لحظة وحدة ومن ورا شباك موظف في مصلحة حكومية.. إنك في نظر القانون والورق: "ولا حاجة"! مجرد ست عايشة في الحرام من غير سند رسمي! القصة مش مجرد ورقة ضاعت في درج، دي حقيقة اتردم عليها بالتراب وزوير واتبنت عليها حياة كاملة.. تعالوا شوفوا السكة بدأت إزاي ومنين! ندى.. عندها 31 سنة، ممرضة سابقة وسابِت شغلها عشان تتفرغ لبيتها، عايشة في حارة متفرعة من شارع شبرا مصر، متجوزة من "أحمد" بقالهم 8 سنين بالتمام والكمال، وعندهم ولدين؛ الكبيرة "جنى" عندها 7 سنين ورايحة أولى ابتدائي، والصغير "ياسين" عنده 4 سنين. أحمد جوزها شغال مهندس ديكور في مكتب مقاولات صغير، راجل في حاله وهادي، حياتهم ماشية في الهادي زي أي بيت مصري مكفي على خبره، لحد اليوم اللي كان المفروض يبدأ فيه سحب أوراق التقديم لمدرسة البنت. المدرسة طلبت أوراق رسمية حديثة شهادة ميلاد كمبيوتر وقيد عائلي. ندى لمّت بطاقتها، وصورة عقد الجواز اللي طالع من عند الشيخ فتحي المأذون بتاع المنطقة من 8 سنين، ونزلت على السجل المدني اللي في الإدارة بالمنطقة. قفت في الطابور من الساعة 8 الصبح، حر وزحمة وناس طالعة وناس نازلة، ولما جه دورها وقفت قدام شباك التوثيق والمواليد. الموظف أخد منها البطاقة وصورة عقد الجواز، وحط نظارته على أرنبة مناخيره وبدأ يكتب الرقم القومي على الكيبورد.. ثانية.. اتنين.. تلاتة.. طقطقة الأصابع على اللوحة زادت، وحواجب الموظف اتعقدت. بص لندى من فوق النظارة وقال بنبرة استغراب: – «يا مدام.. هو حضرتك مكتوب كتابك ولا جوار رسمي بتوثيق؟» ندى ابتسمت بخفة وقالت: – «جواز رسمي طبعاً يا أستاذ! بقالي 8 سنين متجوزة وماسكة بيتي ومعايا ولد وبنت.. فيه إيه؟» الموظف عدل قعدته وكتب اسمها واسم جوزها تاني: – «طب اسم الزوج إيه بالكامل؟» – «أحمد عبد الرؤوف السيد.» رجع يكتب ويدور في السيستم، ويهز راسه يمين وشمال، وبعدين حط الورق على المكتب وقال بمنتهى البساطة اللي تقطع الخِلف: – «غريبة والله.. السيستم عندي بيقول إن الأستاذ أحمد عبد الرؤوف أعزب، وحضرتك آنسة ومفيش أي وثيقة جواز مسجلة بالبيانات دي نهائي في مصلحة الأحوال المدنية!» ندى ضحكت بصوت واطي افتكرته بيهزر أو إن السيستم مهنج زي العادة: – «يا فندم أكيد الشبكة واقعة عندكم ولا الأرقام متلخبطة! اتفضل، دي صورة العقد الرسمية أهي اللي واخدينها يوم الفرح ومختومة بختم النسر وموثقة!» الموظف مسك صورة العقد، وبص على القفل والختم الأحمر اللي في الجنب، ملامحه اتغيرت فجأة.. الضحكة راحت من وشها لما شافت أسلوبه وهو بياخد نفس عميق، وقام من على كرسيه وقالها: – «استني هنا يا مدام وما تتحركيش.. ثواني ورادلك.» دخل مكتب رئيس القلم جوة، وندى واقفة في الصالة وسط الزحمة حاسة بركبتها بتخبط في بعضها.. الدقايق كانت بتعدي كأنها سنين. بعد عشر دقايق، الموظف خرج ومعاه مدير السجل المدني بنفسه، راجل كبير في السن وشعره أبيض، ماسك صورة العقد في إيده وبيقلبها بين صوابعه بتمعن. المدير بص لندى وقال بصوت واطي وراسي عشان محدش من الناس يلاحظ: – «تعالي معايا يا مدام على المكتب جوة لو سمحتي.» للكاتبة نرمين عادل همام دخلت ندى والدم هرب من وشها، أول ما قفلت الباب، المدير قعد على كرسيه وشاور لها تقعد وقال: – «يا بنتي.. العقد ده مزور.» ندى اتنفضت من مكانها وصرخت بذهول: – «مزور يعني إيه؟! أنت بتقول إيه يا أستاذ! أنا عملت فرح في قاعة محترمة، وأبويا الله يرحمه قعد وحط إيده في إيد جوزي والمأذون طالع من الحارة عندنا وكل الناس حضرت إزاي مزور؟!» المدير هداها بطلب كباية مية، وفتح الملف اللي قدامه وقال بصراحة تقطع القلب: – «يا مدام اهدي واستوعبي الكلام.. الختم اللي على العقد ده ختم مضروب، ورقم التوثيق المكتوب فوق ده يخص محافظة تانية خالص! العقد ده ملوش أي أصل في دفتر الشهر العقاري ولا مكاتب التوثيق.. يعني بالقانون كده، أنتي مش متجوزة، وأحمد ده مفيش بينك وبينه أي رباط شرعي مسجل!» الكلمات نزلت على ندى زي مية النار! الدنيا لفت بيها، الصالة، الكراسي، صور الرئيس على الحيطة، كله بقى يلف في دوار أسود.. خرجت من السجل المدني مش حاسة برجليها وهي بتاطأ الأرض.. شريط الـ 8 سنين كله بيعدي قدام عينها في ثواني: ليلة الفرح والزغاريد.. فرحة أبوها الله يرحمه وهو بيسلمها لأحمد.. شقتهما اللي تعبوا في موضتها.. ليلة ما جابت "جنى".. وليلة ما شالت "ياسين".. معقول كل ده كان تمثيلية؟ كل ده كان ورقة بيضا مالهاش قيمة؟! وصلت العمارة في شبرا، طلعت السلم وهي بتتخبط في جدرانه.. فتحت الباب بالمفتاح، كان أحمد قاعد في الصالة ماسك اللاب توب وبيشتغل. أول ما شاف وشها أصفر وجسمها بيرتعش، قام خايف: – «ندى! مالك يا حبيبتي في إيه؟! وشك أصفر ليه كده؟ السجل كان زحمة ولا إيه؟» ندى ما نطقةش كلمة.. رفعت إيدها وهي بترتعش، وحطت صورة عقد الجواز المزور على الترابيزة قدامه! أحمد بص للورقة.. وفي لحظة، ألوانه اتخطفت! اللاب توب كان هيقع من إيده، وعينيه زُاغت بين الورقة وبين وش مراته! ندى بصتله بنظرة تقطع النفس وقالت بصوت طالع بالعافية من الزور: – «فهمني.. الورق ده إيه؟ والموظف في السجل المدني بيقولي أنتِ مش متجوزة ليه؟!» أحمد بلع ريقه وصوته اتقطع: – «ندى.. اصبري بس.. أنا هفهمك كل حاجة.. والله العظيم الموضوع...» قاطعت بصوت هز أركان الشقة وصرخة خرجت من قلبها: – «تفهمني إيه يا أحمد؟! تفهمني إني عايشة معاك 8 سنين في الحرام؟! تفهمني إن عيالي دول في نظر الدولة مالهمش أب مسجل؟! أنطق قول حاجة!» أحمد وقف عاجز، راسه في الأرض ومش قادر يحط عينيه في عينها. وفي اللحظة دي.. باب الشقة اتفتح بالمفتاح! دخلت الحاجة "فاطمة" (أم أحمد)، ست في الخمسينات، شديدة وشخصيتها صارمة. أول ما شافت صورة العقد المرمية على الترابيزة وندى بتصرخ وأحمد ساكت، مشيت بخطوات سريعة وخطفت الورقة من على الترابيزة! بصت للورقة.. وبعدين بصت لأحمد بقلة حيلة وقالت بغضب مكتوم: – «أنا كنت عارفة إن اليوم الأسود ده لازم هييجي! كنت عارفة إن المستخبى لازم هينكشف!» ندى بصت لحماتها بذهول ودموعها نازلة كالمطر: – «أنتِ كمان عارفة يا حماتي؟! أنتم اتآمرتم عليا؟! فهموني إيه اللي بيحصل هنا بدل ما أطلب النجدة ألم عليكم الشارع!» الحاجة فاطمة قعدت على الكنبة، وبصت لندى بجمود وبارود وقالت: – «اهدي يا ندى وما تعمليش هيصة وشواش على الفاضي.. أيوه، العقد مزور وماتوثقش رسمي.. بس مش أحمد اللي زوره، أحمد مظلوم زيُه زيك!» ندى صوتها اتقطع من الصدمة: – «أومال مين؟! مين اللي عمل المصيبة دي في حياتي وعيلتي؟!» الحاجة فاطمة أخدت نفس طويل وقالت بنبرة جافة: – «أبوه الله يرحمه.. عبد الرؤوف هو اللي عمل الحركة دي!» ندى اتسمرت مكانها وكأن حد ضربها بساطور: – «عمي عبد الرؤوف الله يرحمه؟! ليه؟ عملت له إيه أنا وأبويا عشان يكسرني الكسرة دي؟!» أحمد اتكلم بعصبية ودموعه في عينيه: – «يا أمي بلاش تفتحي في القبور بقى! قولي لها الحقيقة وخلاص!» الحاجة فاطمة رفعت إيدها لأحمد وصحت فيه: – «اسكت أنت! سيبني أتكلم عشان تفهم إن أبوك كان بيحمي عيلته وفلوسه!» وبصت لندى وقالت: – «أحمد جوزك كان بيحبك وبيموت فيكي، وكان مصمم يتجوزك بأي طريقة.. وأبوك الله يرحمه كان داخل مع المرحوم عبد الرؤوف في تجارة المواشي وشغل في المذبح بقنا، وأبوك أخد منه مبلغ كبير جداً بضمانات وكمبيالات عشان يوسع التجارة.. والمرحوم جوزي كان قلبه حاسس إن التجارة دي يخسر فيها وأبوك يضيع الفلوس!» ندى بتعيط بحرقة: – «وإيه علاقة تجارتهم بجوازي من ابنك؟!» ردت فاطمة بقسوة: – «علاقتها إن أبو أحمد قال: لو الجواز ده اتوثق رسمي في الشهر العقاري والأحوال المدنية، ندى هيبقى لها حقوق قانونية وشريكة في بيت أحمد وأملاكه وثروة العيلة.. ولو حصلت مشكلة بيننا وبين أبوها أو أبوها ما سددش الفلوس اللي عليه، مش هنعرف ناخد منه حق ولا باطل وهتبقى أختك وبنتك ماسكة أحمد من إيده اللي بتوجعه! فقام المرحوم جاب مأذون من معارفه، عمل كتب الكتاب قدام الناس والمنطقة كلها عشان الفرح والإشهار، بس اتفق مع المأذون إن العقد يتسحب وما يروحش السجل المدني يتسجل!» يعنى ما اخدش الصفة القانونيه مجرد ورقة بدون توثيق أحمد قرب من ندى ومسك إيدها والدموع نازلة من عينيه: – «والله العظيم يا ندى أنا رفضت! صرخت في وش أبويا وقلت له لأ.. بس أبويا حلف بالطلاق إنه هيتبرى مني ويطردني من البيت، ووعدني إن الموضوع ده مجرد أسبوعين تلاتة لحد ما أبوكي يسدد دفعة الفلوس اللي عليه ويرجع يوثق العقد رسمي!» ندى سحبت إيدها منه بقرف وصرخت فيه: – «واستنيت الأسبوعين 8 سنين يا أحمد؟! 8 سنين سايبني عايشة معاك على إنها ورقة مزورة؟!» فاطمة كملت ببرود: – «أبو أحمد مات بعد الفرح بشهرين فجأة بسكتة قلبية! والفلوس اللي عند أبوكي طارت في الخسارة وما رجعتش.. وبعدها أحمد جاله عقد عمل في السعودية وسافر سنتين، وأنتِ وقتها كنتِ حامل في بتك الكبيرة "جنى"!» ندى افتكرت الأيام دي.. افتكرت لما كانت أعدت لوحدها بتتوجع وتسأل عليه بالأسابيع، وهو يقولها بجمع قرشين عشان مستقبلنا! ندى بصت لأحمد وقالت بكسرة: – «ولما رجعت من السعودية بعد سنتين.. ليه معملناش العقد رسمي؟ ليه ما جيتش وقلت لي الحقيني يا ندى الورق فيه مشكلة؟!» الحاجة فاطمة نزلت عينيها في الأرض وسكتت، وأحمد غطى وشه بإيديه وهو بيعيط وقال بصوت مكسور: – «لما رجعت من السفر.. أخدت أمه ورحنا للمأذون التاني عشان نوثق الجواز ونصلح اللي أبويا عمله.. المأذون قالنا إن الجوازة القديمة تعتبر ملغية طالما عدى عليها سنتين وما توثقتش، ولازم يتم كتب كتاب جديد بشرط.. حضور الزوجة بنفسها وموافقتها وتدفعوا غرامة!» ندى بصت لخوفه واندهاشها وقالت: – «وما جيتوش ليه تقولوا لي وأنا أوافق؟! خايفين من إيه؟!» فاطمة رفعت راسها وقالت بجفاف: – «كنا خايفين تطلبي الطلاق وتفضحينا في المنطقة وتعملي لنا مصيبة! وأبوكي وقتها كان كبر وما حيلتوش حاجة، فقلنا نسيب الفولة مقفولة والعيال تكبر والموضوع يتنسى!» ندى وقفت في نص الصالة، بتبص للراجل اللي عاشت معاه 8 سنين.. للست اللي كانت بتقولها "يا أمي".. للبيت اللي افتكرته مملكتها! للكاتبة نرمين عادل همام سحبتُ صورة العقد المزوّرة من فوق الترابيزة بفرقعة هزت الصالة، وبصيت لأحمد بكسرة ودموعي نازلة تحرق وشي: – «أنتم دفنتم كرامتي وحياتي تحت الأرض! 8 سنين وأنا فاكرة إني في حماك وفي بيتك، طلعت عايشة في نظر الدولة والناس على مفيش! وعيالي ال المفروض حيدخلوا المدرسة ، والله العظيم ما هسيب حقهم ولا حقي منكم لو كان آخر يوم في عمري!» لمّيت حاجتي في شنطة سريعة وأنا بترعش، وأخدت الولاد في إيدي وخرجت من الشقة بأجرّ رجليّ بالعافية.. الشارع كان بيتحرك حواليا وزحمة شبرا بطولها وعرضها مش حاسة بيها، لحد ما وصلت بيت أهلي في شبرا القديمة. أول ما فتحت الباب وشافتني أمي بالمنظر ده انخضت وصوّتت: – «يا لهوي يا بنتي! مالك يا ندى؟ وشك أصفر ومخطوف ليه والولاد بيعيطوا كده ليه؟!» نادت بفرقعة على أخويا الكبير "سامح".. رميت الشنطة والعقد المزوّر قدامهم على الترابيزة وقعدت في الأرض ودموعي نازلة حارة، وحكيت لهم المصيبة من أول شباك السجل المدني لحد اعتراف حماتي وأحمد في الشقة. سامح أخويا وشه جاب ألوان، وعروق رقبته نطت من الغضب، ورزع إيده على الترابيزة رزعة هزت النوافذ: – «أنا هروح أقتله وأقطع أمه! لو فاكرين علشان بابا مات لا الاستغفال والتنطع ده مش هيمر بالساهل! أبويا الله يرحمه مات ومسابش بنته عشان شوية ناس بلا أصل يستضعفوها ويستغلوا إن ملهاش أب يرجعوا له!» مسكت في هدوم سامح بالعافية والدموع مغرقة وشي: – «يا سامح وحياة أغلى حاجة عندك بلاش مشاكل وخناق في الشارع والمنطقة! إحنا لازم نعرف موقفنا القانوني إيه الأول، وعيالي وضعهم إيه قدام الدولة والأوراق الرسمية بدال ما نضيع!» في نفس اليوم، سامح اتصل بصاحبه المحامي "الأستاذ فاروق"، ورحنا له المكتب في ميدان الأوبرا. أول ما الأستاذ فاروق سمع الحكاية بتمعّن وقرأ ورقة العقد المزوّرة وبص في أختامها، هدأنا وقال بوضوح وصرامة: – «متقلقوش على نسب الأبناء يا جماعة.. الأب طالما معترف بيهم فالنسب ثابت شرعاً وقانوناً وبشهادة والإشهار وقايمة المنقولات ال ماضيها وده مش محل نزاع خالص.. لكن الأزمة الحقيقية إنكم عايشين 8 سنين من غير عقد جواز رسمي مسجل في دفاتر الأحوال المدنية، وده يعرضكم لمشاكل إدارية وتزوير أوراق رسمية زي شهادات الميلاد والقيد العائلي.» المحامي طلب استدعاء أحمد فوراً.. اتصلت بيه، ورد من أول رنة بصوت مرعوب كأنه كان قاعد جنب التليفون: – «ندى! أنتم فين؟! أرجوكي اسمعيني!» قُلت له ببرود يقطع النفس: – «تعالَ مكتب الأستاذ فاروق المحامي في الأوبرا حالاً.. أخويا سامح والمحامي مستنيينك.» خلال ربع ساعة، دخل أحمد المكتب وهو منكسر، وشه أصفر وموطي رأسه في الأرض.. أول ما قرب، سامح أخويا قام اتنطط من كرسيه ووقف قدامه ومنعه يخطو خطوة واحدة ناحيتي وكان هيضربه، بس المحامي تدخل وحجز بينه وبين أحمد. جلس أحمد على الكرسي والمحامي سأله بنبرة حادة وجادة: – «أنت معترف إن العقد ده غير موثق بالدفاتر؟ ومعترف إن ندى ما كانتش تعرف الحقيقة دي نهائياً؟ ومستعد توثق الجواز فوراً وتصلح الأوضاع القانونية؟» أحمد رد بلهفة وبدموع مكتومة في عينيه: – «أنا معترف بكل حاجة، ومستعد أعمل أي حاجة تطلبها ندى وأخوها في ساعتها! حتى لو عايزه الشقة تتكتب باسمها بعقد بيع وشراء، ومؤخرها اللي تطلبه، المهم نصلح الورق وحقها يرجع لها ونقفل الباب ده!» المحامي أخدنا كلنا وتوجهنا لمدير السجل المدني عشان نفتح محضر إداري بتصحيح الواقعة.. المدير أول ما شافنا وعرف الحكاية، طلب الملفات القديمة من الأرشيف، وخرج بعد نص ساعة وهو شايل ملف أصفر قديم عليه تراب وقال بصرامة وهو بيعدل نظارته: – «علشان نكون واضحين ومحددين.. تصحيح وضع الجواز والنسب محتاج "دعوى إثبات زواج ونسب" في محكمة الأسرة، لأن شهادات ميلاد الأبناء اتعملت زمان بناءً على عقد غير صحيح إدارياً، والقاضي هو الوحيد اللي يدينا أمر إداري بتصحيح خانة الزوجية والأبناء في مصلحة الأحوال المدنية.» رحنا السجل على طول ووقفنا نتكلم وفي وسط الكلام والدقايق الخانقة دي، تفاجئنا بالحاجة فاطمة (أم أحمد) داخلة السجل وراجل من معارفهم ماشية جنبها، ومسكينة شنطة جلد قديمة ومتهالكة.. قربت من المحامي والأستاذ فاروق وطلعت ظرف أصفر مقفول وقالت بصوت مبحوح ومكسور: – «قبل ما تروحوا المحاكم وتفضحونا.. الظرف ده كان عند جوزي الله يرحمه قبل ما يموت، وأنا خبيته في الدولاب.. لأن المأذون قالنا توثيق الجواز محتاج كتب كتاب جديد بحضور ندى وموافقتها، وأنا خفت ندى تعرف إن العقد الأولاني متوثقش فتبوظ الجوازة وتأخد العيال وتمشي!» المحامي فتح الظرف ولقى ورقة مكتوبة بخط يد أبوه المرحوم يتعهد فيها بتوثيق عقد الجواز فور انتهاء الخلاف المالي وسداد الدين مع والد ندى. سامح أخويا اتصدم وقرأ الورقة، وبعدين بص لحماتي بذهول وغضب شديد: – «المبلغ ده أبويا الله يرحمه سدده بالكامل لجوزك قبل ما يموت بأسبوع! وإيصال الاستلام والكمبيالات الملغية والموقع عليها جوزك معايا في البيت في وسط ورق أبويا من زَمَان!» أحمد بص لأمه بصدمة عمره، وعينيه اتوسعت بذهول وصرخ فيها في نص السجل المدني: – «يعني الفلوس اتدفعت من 8 سنين وحميا الله يرحمه سددها قبل ما يموت وأنتِ كدبتِ عليا وقُلتِ لي الفلوس ما جتش؟! يعني أنا دمرت بيتي وحياتي وسيبت مراتي عايشة في وهم وخوف بسبب كدبة منك عشان ترضي جشعك؟! مسحتِ بكرامتي الأرض قدام الناس!» الحاجة فاطمة انفجرت في البكاء ونزلت رأسها في الأرض: – «كنت خايفة يا بني بيتكم يتخرب وتعرف إننا استغفلناها من الأول وتطلب الطلاق!» رد عليها أحمد بصوت مكسور ويقطر وجع: – «لا يا أمي.. أنتِ خربتيه بأنانية وكدب ومسحتي بكرامتي الأرض، وحرمتيني من مراتي وعيالي!» لف أحمد ناحيتي وهو بيعيط بحرقة وقال: – «والله العظيم يا ندى لو كنت أعرف إن أبوكي الله يرحمه سدد الفلوس زمان، كنت أخدتك في ساعتها ورحنا للمأذون ووثقنا العقد رسمي وعملنا كتب كتاب جديد.. حقك عليا ورأسك فوق راسي!» بصيت له بهدوء وثبات يقطع القلب وقُلت له: – «حتى لو أمك كدبت عليك واستغلت إن أبويا مات وراحت عليه الأيام.. أنت كدبت عليا واستسهلت الخوف والجبن 8 سنين كاملين يا أحمد.. كنت بتنام كل ليلة جنب مني وأنت عارف إن مالهاش صفة رسمية تحميني.. الثقة لما بتتكسر ما بيلحمهاش الاعتذار ولا الشقق!» المحامي بدأ إجراءات رفع دعوى إثبات الزواج والنسب في محكمة الأسرة.. وأحمد أقر قدام القاضي بكل حاجة وبصحة الإشهار والعقد العرفي القديم، وتنازل لندى عن الشقة وسجل لها كل حقوقها ومؤخرها عشان يرد لها جزء من كرامتها قدام أهاليتها. وبعد عدة جلسات ومتابعة دقيقة، أصدرت المحكمة حكمها النهائي بثبات الزواج وتاريخه من 8 سنين، وبناءً على الحكم تم استخراج شهادات ميلاد كمبيوتر جديدة وموثقة للأبناء، وقيد عائلي سليم لا غبار عليه. بعد صدور الحكم بثلاثة أسابيع، اتصل المحامي وقال: – «الورق كله جاهز وقانوني 100%، فاضل خطوة واحدة أخيرة.. تروحوا للمأذون لتوثيق العقد الرسمي واستلام القبالة بالختم الرسمي.» للكاتبة نرمين عادل همام في اليوم التالي، جه أحمد بيت أهلي لابس البدلة الكحلي، ومشى معانا لمكتب المأذون بحضور أخويا سامح وأمي وحماتي.. قعدنا كلنا والمأذون فتح الدفتر الرسمي الكبير وراجع الأوراق المسجلة بحكم المحكمة، وسألني وهو حاطط نظارته: – «هل حضرتك موافقة بإرادتك يا بنتي على توثيق هذا العقد؟» بصيت لأحمد وقُلت له قدام الكل بصوت هادي: – «لو رجع بيك الزمن للأول يا أحمد.. كنت هتقولي الحقيقة؟» رد أحمد بدون تردد وعينيه ثابتة في عينيا: – «كنت هقولك من أول ثانية عرفت فيها.. حتى لو كنتِ سبتيني وعمري كله ضاع بعدها!» مسكت القلم وإيدي بترتعش، ووقعت باسمي الثلاثي بكامل إرادتي وعقلي.. أحمد وقع بعدي، والمأذون ابتسم وقال الجملة اللي اتمنيت أسمعها بحق وحقيق: – «ألف مبروك.. بقيتوا زوج وزوجة رسمياً وقانوناً قدام ربنا والدولة.» الحاجة فاطمة قربت مني وعينيها في الأرض وبكِت بدموع حارة: – «سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك واستغليت إن أبوكي مات وتعديت على حقك وأمانك.» رديت عليها بثبات وأصول: – «أنا مسامحاكي لوجه الله يا حاجة. وعلشان خاطر ولادي . بس اللي اتكسر جوايا محتاج وقت طويل عشان يلتئم ويرجع زي الأول.» خرجنا من المكتب، ولادنا كانوا مستنيين برة مع خالهم.. مسك ابننا الصغير العقد الموثق الجديد وقال ببراءة: – «هو ده الورق الصحيح يا بابا اللي كنت بتدور عليه؟» أحمد حضنه ودموعه في عينيه وقال: – «أيوه يا حبيبي.. ده العقد اللي محدش يقدر يضيعه ولا يخفيه تاني ابداً.» ركبنا العربية راجعين بيتنا، مد أحمد إيده بهدوء على الكرسي، والمرة دي مسكت إيده بثبات.. مش لأن الوجع انتهى كلياً، لكن لأن الحقيقة والتصحيح كانوا بداية الطريق الصح لبيت مبني على الصدق والوضوح والكرامة. هي خافت على عيالها وقالت مايتبهدلوش ويبقوا من غير اب علشان كدا وفقت تكمل معاه تمت للكاتبة نرمين عادل همام