الورقه المنسيه
— فلوسك؟ فلوس إيه دي يا حبيبتي؟ وريني كدا أي ورقة تثبت إنك دفعتي مليم أحمر في البيت ده؟ الأرض باسمي، وفواتير المون باسمي، والرخص باسمي، والبيت باسمي.. إثبتي بقى يا شاطرة إنك دفعتي حاجة!
وفي وسط الخناقة دي، عيني جت على حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة في ركن الصالة، قاعدة بتتفرج على حرقة دمي بملامح باردة ولا كأن في أي حاجة تهمها. وما اكتفتش بالفرجة، لأ.. دي حشرت نفسها في الكلام، ولوحت بإيدها بتعالي وفوقية وهي بتقول بنبرة تقطر سم:
— البنت العاقلة والأصيلة يا هند، تشكر جوزها إنه مأويها في بيت ملكه، ومربي عيالها وفاتح لها باب ستر ومقعدها هانم.. مش تقعد تتحاسب معاه وتعد عليه المليم والقرش!
حسيت ساعتها إن دمي بيغلي في عروقي، وضغط دمي ضرب في العالي لدرجة إني ما بقتش قادرة أشوف اللي قدامي بوضوح. لفيت ووشي ليهم هما الاتنين وجسمي بيتنفض من القهر والظلم وقلت:
— يعني إيه؟ يعني بعد 12 سنة طحن وتعب وتضحية، أصحى الصبح ألاقي نفسي مجرد ضيفة في بيتي؟ ضيفة ممكن تطردوها وترموها في الشارع في أي لحظة؟!
مصطفى وقف وبكل طوله، وبثقة عمياء تفرس وهو حاسس بنصر مزيف، شاور بإيده ناحية الباب وقال بمنتهى الجفاء:
— اعملي اللي تعمليه.. أعلى ما في خيلك اركبيه، مش هتعرفي تاخدي مني ولا تعملي أي حاجة.. القانون لا يحمي المغفلين يا هند!
الكلمة دي بالذات: “اعملي اللي تعمليه مش هتعرفي تعملي حاجة”، فضلت ترن وتزن في وداني زي الدبانة أيام وليالي، طيرت النوم من عيني وحولت عيشتي لجحيم من كتر التفكير والغل والقهر.
بس مصطفى، في وسط ثقته وزهوه بنفسه وغروره اللي عماه وخلاه يشوف نفسه انتصر، كان ناسي حاجة مهمة أوي.. ما كانش يعرف إن فيه حاجة واحدة بس، ورقة قديمة، كنت شايلاها ومحتفظة بيها في أبعد درج في المكتب من سنين طويلة.. حاجة من كتر السنين اللي مرت، حتى أنا نفسي كنت ناسيّاها وماتت في ذاكرتي، بس هي كانت هناك، مستنية اللحظة المناسبة عشان تطلع للنور وترد لي حقي وتجيب مناخيرهم الأرض.
بعد أسبوع كامل من الهم والنكد، أسبوع ما دوقتش فيه طعم النوم، وكنت ماشية في البيت زي الـمـيـتـة اللي بتتحرك، وجوايا نار قايدة من كتر الظلم والقهر. وفي يوم، كنت محتاجة أطلع شهادة ميلاد كمبيوتر لواحد من العيال عشان المدرسة، رحت للمكتب القديم اللي مركون في الأوضة الجوانية، وبدأت أنبش في الأدراج اللي تحت خالص، الأدراج المهجورة اللي ماليها التراب ومحدش بيمد إيده فيها من سنين.




