انا أمك

موقع أيام نيوز
لصورة أسرته مرة تانية
عمر، اللي لسه مش فاهم إن دخوله المدرسة بقى سبب حرب باردة بين أبوه وجدته.
وفي اللحظة دي أحمد فهم إن المكالمة دي ما كانتش مجرد خناقة عادية.
دي كانت أول طلقة.
وما كانتش طلقة تخويف
كانت طلقة مقصودة عشان توجعه.
كنت عارفة إنك مش هتكلمني! أكيد مراتك منعتك، صح؟
أمينة هانم كانت واقفة على باب الشقة كأنها خرجت حالًا من المكالمة اللي حصلت امبارح.
لابسة عبايتها المطرزة وشالتها التقيلة، ووشها مليان دور المظلومة الطيبة.
ما استنتش حتى إنه يعزمها تدخل.
زقته بخفة مصطنعة وعدّت من جنبه للصالون.
ريحة البصل المحمّر اللي مالية البيت، وضحك الأطفال من جوه كل ده اختفى فجأة، وحل مكانه توتر خانق.
نرمين طلعت من المطبخ تبص لها، وعلى وشها ابتسامة مجاملة متجمدة، مستخبية وراها أعصاب مشدودة.
أمينة هانم فضلت واقفة في نص الصالة، إيدها قابضة على المفتاح كأنه بيحرقها.
لأول مرة في حياتها الشقة كانت هادية بالشكل ده.
لا صوت عمر وهو بيجري بالعربية البلاستيك،
ولا ضحكة ليلى وهي بتنادي تيتا بصّي!،
ولا حتى صوت نرمين من المطبخ وهي بتزعق للأولاد بحنان متوتر.
بس صمت.
صمت تقيل يخنق.
بصّت حواليها بذهول.
الكنبة اللي كانت لسه من شوية مليانة لعب أطفال بقت فاضية.
الحيطة اللي كان عليها رسومات عمر اتشالت منها الأوراق، وسابت أماكن باهتة أفتح من لون الدهان.
حاولت تقنع نفسها إنها كسبت.
إن أحمد هيهدى ويرجع يترجاها بعد يوم ولا اتنين.
مستحيل يقدر يعيش من غيرها.
مستحيل يضحي بالشقة والاستقرار عشان مراته.
لكن أول ليلة عدّت وما رجعش.
وتاني ليلة مفيش مكالمة.
وفي اليوم التالت، وهي قاعدة لوحدها قدام التلفزيون المفتوح من غير ما تتابع أي حاجة، سمعت جرس الباب.
قامت بسرعة، وقلبها دق پعنف.
أكيد أحمد.
أكيد رجع عشان يصالحها.
فتحت الباب بسرعة
لكنها اتجمدت مكانها.
كان صاحب السوبر ماركت اللي تحت العمارة، ماسك ورقة وفاتورة.
مساء الخير يا حاجة أمينة تحت أمرك، الحساب اللي كان الأستاذ أحمد بيسدده كل شهر هيتدفع إمتى؟
بصتله بعدم فهم.
حساب إيه؟
طلبات البيت يا حاجة حضرتك كنتي بتاخدي كل حاجة وتقوليله يحاسب آخر الشهر.
سكتت ثواني، وبعدين قالت بضيق
طيب خلاص، ابقى تعالى بعدين.
وقفلت الباب بسرعة.
رجعت تبص للشقة الفاضية
وفجأة لأول مرة تستوعب إن أحمد مش بس كان ابنها
ده كان شايل عنها نص الحياة من غير ما تحس.
فات أسبوع.
وبعدين اتنين.
لا أحمد اتصل
ولا الأطفال جم.
حتى الجيران ابتدوا يبصولها بنظرات غريبة بعد ما عرفوا إن ابنها ساب البيت فعلًا.
وفي ليلة باردة، كانت قاعدة لوحدها على السفرة الصغيرة تاكل جبنة ناشفة وعيش بايت، لما عينها وقعت على صورة قديمة مركونة فوق النيش.
أحمد وهو صغير متعلق في رقبتها وبيضحك.
مسكت الصورة بإيد مرتعشة
وفجأة الدموع نزلت ڠصب عنها.
لكن دموعها ما كانتش ندم كامل
كان فيها ڠضب، وكبرياء، وخوف مرعب من الوحدة.
في نفس الوقت
كان أحمد قاعد في شقة إيجار صغيرة في فيصل، على كنبة قديمة مستعارة، بينما نرمين بتحاول ترتب الأطباق في مطبخ ضيق بالكاد يكفي شخصين.
عمر كان نايم على مرتبة أرضي هو وأخته، لكن لأول مرة من شهور البيت كان هادي.
مافيش توتر.
مافيش مكالمات سامة.
مافيش ټهديد كل يوم بالشقة والطرد.
نرمين بصت لأحمد بهدوء وقالت
إنت زعلان؟
سكت شوية وبعدين هز راسه.
موجوع آه. دي أمي في الآخر. بس اللي عملته كان لازم يحصل. أنا فضلت سنين بحاول أرضي الطرفين وفي الآخر اكتشفت إن اللي بيحبك بجد، عمره ما يخيرك بينه وبين عيالك.
مدت إيدها مسكت إيده.
وفي اللحظة دي
رغم ضيق الشقة، وقلة الفلوس، والخۏف من بكرة
أحمد حس لأول مرة إنه رجع يتنفس.
أحمد فضل واقف ثواني، كأنه مش مستوعب اللي سامعه.
أمه




