انا أمك

بعد الجملة كان تقيل جدًا.
وبعدين نرمين قالت أنا ممكن أبيع الشبكة.
أحمد انتفض فورًا مستحيل.
يا أحمد إحنا
قولت لأ. أنا مش هخليكي تبيعي حاجة عشان غلطاتي.
أمينة هانم حست إن نفسها اتقطع.
غلطاتي.
الكلمة فضلت ترن في ودنها.
رجعت لأوضتها بخطوات بطيئة، وقعدت على المرتبة وهي باصة للسقف.
لأول مرة
بدأت تشوف الصورة كاملة.
هي كانت فاكرة إن أحمد اختار مراته عليها.
لكن الحقيقة؟
أحمد كان طول عمره بيحاول يشيل الكل لحد ما اتكسر في النص.
وفي الصبح
صحوا على صوتها وهي بتنادي
يا أحمد.
خرج مستغرب.
لقاها قاعدة على الكنبة، وحاطّة قدامها علبة دهب قديمة.
علبة كان يعرفها كويس.
علبة شبكة أمه.
قال پصدمة إيه ده؟
دفعتها ناحيته.
خدها.
أخد إيه؟!
بيعها وسدد الإيجار ومصاريف المدارس.
أحمد بص لها كأنه مش مصدق.
إنتِ بتهزري؟
أمينة هزت راسها ببطء.
وعينيها اتمَلّت دموع
أنا ضيعت سنين فاكرة إن الحب يعني أمتلكك وإن حقي فيك أكبر من حق أي حد. بس الظاهر إني كنت بخسرك وأنا فاكرة إني بحافظ عليك.
نرمين خرجت من المطبخ على آخر الكلام واتجمدت مكانها.
أمينة بصتلها مباشرة لأول مرة من غير كراهية.
وقالت بصوت مكسور سامحيني يا بنتي.
الكلمة وقعت على نرمين كأنها حلم.
وأحمد؟
ما قدرش يتكلم.
لأن أمه الست اللي عمرها ما اعتذرت لحد متوفرة على روايات و اقتباسات
كانت أخيرًا بتعتذر. أحمد قعد ببطء قدام أمه، وعنيه ثابتة على علبة الدهب.
حاسس إن المشهد غريب
غريب لدرجة تخوف.
أمينة هانم طول عمرها كانت شايفة الاعتذار ضعف.
كانت دايمًا تقول اللي يطاطي راسه الناس تدوس عليه.
لكن الست اللي قاعدة قدامه دلوقتي
ما كانتش نفس الست.
كانت باينة متعبة.
مش تعب جسم تعب روح.
نرمين قربت بهدوء، وحطت كباية الشاي قدامها.
أمينة رفعت عينيها ليها بتردد، وقالت عارفة إن كلمة آسفة متأخرة ويمكن ما تمحيش حاجة.
نرمين سكتت.
فكملت أمينة بصوت مهزوز بس أنا فعلًا تعبت. تعبت من العند ومن إحساسي إني بخسرك كل يوم أكتر.
أحمد أخد نفس طويل.
وقال بهدوء ليه يا أمي؟ ليه كل ده؟
أمينة ضحكت ضحكة صغيرة كلها ۏجع.
عشان أبوك زمان عمل معايا نفس اللي إنت عملته أول ما اتجوز بقى بيقول بيتي ومراتي وعيالي. وأنا؟ كنت بحس إني اترميت. فضلت أقول لنفسي إن ابني عمره ما هيعمل فيا كده ولما كبرت وخفت أبقى لوحدي، بقيت بتعلق فيك زيادة عن اللزوم.
سكتت شوية
بس الفرق إن أبوك سابني فعلًا إنت ما سبتنيش. أنا اللي زقيتك بعيد.
الكلام نزل على أحمد تقيل.
لأول مرة يفهم إن كل القسۏة اللي عاشها منها كان وراها خوف قديم متعفن جواها بقاله سنين.
عمر دخل يجري وقتها بابا! بصّي! ليلى وقعت العصير!
الصمت اتكسر فجأة.
ليلى كانت واقفة في نص الصالة، باصة للكوباية المکسورة پخوف.
أمينة قامت تلقائيًا بسرعة حاسبي يا حبيبتي رجلك!
وشالتها في حضنها قبل ما تدوس على الإزاز.
ليلى لفت إيديها حوالين رقبة جدتها بعفوية بحبك يا تيتا.
أمينة هانم غمضت عينها للحظة
وكأن الجملة دي كسرت آخر حتة قسۏة جواها.
بعد يومين
أحمد رجع من الشغل لقى أمه قاعدة مع نرمين في المطبخ بيقشروا بطاطس سوا.
وقف عند الباب مذهول.
الاتنين بصوا له، وأمينة قالت بتوتر خفيف إيه؟ مستغرب ليه؟ ما مراتك مبتعرفش تقشر بسرعة.
نرمين ضحكت لأول مرة قدامها من غير تكلف.
والضحكة كانت خفيفة بس حقيقية.
في الليلة دي
أحمد وقف في البلكونة الصغيرة، بيبص للشارع.
أمه قربت منه بهدوء.
فضلوا ساكتين شوية.
وبعدين قالت عارف الشقة القديمة وحشتني.
أحمد بص لها نرجعك بكرة.
هزت راسها بالنفي.
لا مش قصدي الشقة نفسها. قصدي الإحساس. زمان كنت فاكرة إن البيت ملكية وإن اللي معاه المفتاح هو اللي يكسب.
بصت لجوه
على نرمين وهي بتضحك مع العيال.
وهمست طلع
البيت الحقيقي هو المكان اللي حد ېخاف فيه عليك حتى بعد ما توجعه.
أحمد حس بغصة في صدره.
وأمه لأول مرة من سنين مدت إيدها وربتت على كتفه بحنان هادي، مش سيطرة.
وقالت أنا فخورة بيك يا أحمد ويمكن دي أول مرة أقولها صح.



