حماتي تناديني

ماسك الخطاب بقوة.
لدرجة إن الورق اتكرمش بين صوابعه.
وقال بصوت منخفض
يعني إحنا ما انفصلناش بسبب اللي كنت فاكره؟
ندى هزت رأسها.
لأ.
ثم أشارت إلى الملف الأصفر.
والأوراق اللي في الملف تثبت ده.
في اللحظة دي…
حماتي صرخت فجأة
كفاية!
الكل اتفاجأ.
وقالت وهي بتحاول تمسك الملف
كفاية نبش في الماضي!
لكن أحمد أبعد الملف عنها.
وهنا حصلت المفاجأة اللي خلت حتى ندى تتجمد مكانها.
لأن من بين الأوراق المتناثرة على الأرض…
انزلقت صورة قديمة كانت مخبأة بين الصفحات.
صورة محدش كان يعرف إنها موجودة.
ولما انقلبت على وجهها…
ظهر فيها شخص لم يكن أي واحد منهم يتوقع وجوده أصلًا.
شخص كانت حماتي تؤكد طوال السنين إنه لا علاقة له بالقصة من الأساس.
لكن وجود صورته داخل الملف…
كان كفيلًا إنه يقلب كل الرواية اللي عرفوها رأسًا على عقب اتسعت عيون الجميع وهم ينظرون إلى الصورة.
حتى ندى نفسها قربت خطوة للأمام.
أما حماتي…
فأول ما شافت الصورة، حاولت تخفيها بسرعة.
لكن أحمد كان أسرع.
التقطها من الأرض ورفعها أمامه.
ثم قال بذهول
مستحيل…
سألته أختُه بقلق
مين ده؟
ظل ينظر للصورة لثوانٍ طويلة قبل أن يجيب
ده عماد.
سكت الجميع.
كان الاسم معروفًا داخل العائلة.
عماد كان محاسبًا قديمًا لشركة والد أحمد قبل وفاته بسنوات.
رجل اختفى فجأة من حياتهم، ولم يسمع أحد عنه شيئًا بعد ذلك.
لكن السؤال الذي حيّر الجميع
ما علاقة عماد بندى؟
وما علاقة صورته بملف الطلاق؟
ندى اقتربت أكثر.
وحين رأت الصورة شحب وجهها فجأة.
وقالت
الصورة دي عندكم إزاي؟
أحمد رفع عينيه إليها.
إنتِ تعرفيه؟
ترددت للحظة.
ثم قالت
أعرفه… لكن مش بالطريقة اللي أنتم فاكرينها.
حماتي صاحت فورًا
متسمعوش كلامها!
لكن هذه المرة لم يلتفت لها أحد.
أحمد قلب الصورة.
وكان مكتوبًا خلفها بخط قديم
لا تفتحوا الملف قبل ظهور الحقيقة كاملة.
ازدادت الحيرة.
ثم وجد
داخل الملف ظرفًا صغيرًا آخر لم ينتبه له أحد من قبل.
كان مغلقًا بشريط لاصق قديم.
وعليه نفس الخط.
نفس خط عماد.
مد أحمد يده ببطء.
بينما حماتي كانت ترتجف بشكل واضح.
وقالت بصوت مبحوح
أحمد… بلاش.
رفع رأسه ونظر إليها.
ولأول مرة لم يكن في عينيه غضب فقط…
بل شك.
شك كبير.
فتح الظرف.
وأخرج عدة أوراق مطوية.
وفي أعلى أول صفحة كان هناك عنوان كبير
إقرار باستلام الأمانة.
عبس أحمد.
وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر…
كانت ملامحه تتغير.
حتى توقف فجأة.
وأعاد قراءة فقرة معينة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
كأنه لا يصدق ما يراه.
ندى قالت بقلق
مكتوب إيه؟
لكن أحمد لم يرد.
بل رفع عينيه نحو أمه مباشرة.
وقال
الأرض…
ساد الصمت.
وأضاف بصوت مرتجف
أرض جدي… ما اتباعتش أصلًا.
شهقت أختُه.
وقالت
إزاي؟!
أحمد رفع الورقة.
وقال
الورق ده بيقول إن جدي قبل وفاته سلّم مستندات ملكية الأصل لعماد على سبيل الأمانة… لحين تقسيم الميراث بشكل قانوني.
ندى أغلقت عينيها للحظة.
كأن قطعة مفقودة من اللغز عادت إلى مكانها.
أما حماتي فجلست على أقرب كرسي.
وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الأرض.
كانت في آخر سطر بالورقة.
لأن أحمد فجأة توقف عنده.
ثم نظر إلى ندى.
ثم إلى الشاب الواقف بجوارها.
ثم إلى أمه.
وقال بصوت بالكاد خرج
لا… دي مستحيل.
اقتربت منه أختُه بسرعة.
وخطفَت الورقة من يده.
وما إن قرأت السطر الأخير…
حتى وضعت يدها على فمها من الصدمة.
لأن السطر كان يقول
وفي حال وفاتي، تُسلَّم جميع المستندات والوصايا إلى الحفيد المذكور اسمه أدناه باعتباره الوريث المعيّن لحفظ الأمانة…
وتحت الجملة مباشرة…
كان مكتوب اسم لم يتوقع أحد وجوده في الوصية.
اسم الشاب الذي جاء مع ندى تجمدت الأنفاس في المكان.
وأخت أحمد كانت ماسكة الورقة بإيدين بيرتعشوا.
وأعادت قراءة الاسم مرة تانية.
ثم تالتة.
كأنها مش مصدقة اللي
شايفاه.
أما أحمد فكان مركز نظره على الشاب الواقف جنب ندى.
الشاب نفسه بدأ يتوتر.
واضح إنه مش فاهم ليه الكل مصدوم بالشكل ده.
وأخيرًا قالت أخت أحمد بصوت مخنوق
يوسف…
سكتت لحظة.
ثم أكملت
الوصية مكتوب فيها اسم يوسف كامل.
ندى نزلت عينيها للأرض.
أما حماتي فأغمضت عينيها وكأنها كانت خايفة من اللحظة دي طول عمرها.
أحمد قرب من الورقة وخدها تاني.
وكان تحت الاسم سطر تاني أكثر غرابة.
تم إثبات وجود نسخة من الوصية لدى المحامي المختص، ولا تُسلَّم إلا عند اكتمال سن الحفيد المذكور.
قطب أحمد حاجبيه.
وقال
يوسف عنده كام سنة؟
رد الشاب لأول مرة
تمانتاشر سنة.
ساد الصمت.
ثم سقطت قطعة جديدة من اللغز في مكانها.
لأن جده توفي قبل ثمانية عشر عامًا تقريبًا.
يعني موعد تسليم النسخة الأصلية من الوصية قد حان بالفعل.
وفجأة قالت ندى
عشان كده رجعت.
الكل بص لها.
فأكملت
من أسبوع المحامي كلمني.
وقال إن في مستندات لازم تتسلم لصاحب الحق.
حماتي فتحت عينيها فجأة.
ونظرت إلى ندى بصدمة.
واضح أنها لم تكن تعرف أن نسخة أخرى ما زالت موجودة.
ندى أخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها.
وقالت
ودي دعوة رسمية من مكتب المحامي للحضور.
أحمد أخذها بسرعة.
قرأ الاسم والعنوان.
وكان كل شيء رسميًا.
مختومًا وموقعًا.
في تلك اللحظة تحديدًا…
رن هاتف حماتي.
رنة واحدة.
ثم ثانية.
نظرت إلى الشاشة.
فتغير لون وجهها تمامًا.
أحمد لاحظ ذلك.
وقال
مين؟
لكنها أغلقت الهاتف بسرعة.
وهنا تدخل يوسف لأول مرة بشكل أثار دهشة الجميع.
وقال
هو نفس الرقم؟
التفت الجميع نحوه.
فأكمل
الرقم ده شوفته قبل كده.
ندى نظرت إليه باستغراب.
أما حماتي فبدت وكأن قلبها سيتوقف.
سأله أحمد
فين شوفته؟
تردد يوسف للحظة.
ثم قال
في دفتر قديم كان عند خالي عماد.
الصمت عاد من جديد.
أثقل من أي وقت مضى.
لأن اسم عماد ظهر مرة أخرى.
الرجل الذي بدأت كل الخيوط تدور حوله.
ثم أكمل يوسف
وقبل
ما خالي يتوفى بسنة… سلمني حاجة.
ندى اتسعت عيناها فجأة.
واضح أنها تسمع هذا لأول مرة.
أحمد اقترب خطوة.
وقال
إيه هي؟
ابتلع يوسف ريقه.
ثم قال
صندوق صغير.
وقال لي بالحرف ما تفتحهش إلا لو حد جاب سيرة الوصية أو ملف الأرض.
تبادل الجميع النظرات.
وأحمد شعر بقشعريرة تسري في جسده.
ثم سأل بسرعة
الصندوق فين دلوقتي؟
نظر يوسف إلى ندى.
ثم عاد ينظر إلى أحمد.
وقال
معايا.
ثم أخرج من حقيبته مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
ووضعه فوق الطاولة.
وقال بهدوء أربك الجميع
والصندوق موجود بره في العربية.
وفي اللحظة نفسها…
سمعوا صوت فرامل سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم طرقات قوية على الباب.
ثلاث طرقات متتالية.
جعلت حماتي تنتفض من مكانها.
وكأنها عرفت بالضبط…
من الشخص الذي وصل قبل أن يفتح له أحد الباب ساد الصمت في البيت كله.
الطرقات تكررت.
أقوى من الأول.
دق… دق… دق.
حماتي كانت بتبص ناحية الباب ووشها شاحب بشكل مخيف.
أحمد لاحظ ده.
وقال
إنتِ عارفة مين؟
هزت رأسها بسرعة
لأ.
لكن نبرة صوتها كانت بتقول العكس تمامًا.
أخت أحمد راحت تفتح الباب.
وما إن فتحت…
حتى تراجعت خطوة للخلف من المفاجأة.
دخل رجل في أواخر الخمسينات.
بدلة رمادية أنيقة.
وشنطة أوراق جلدية في إيده.
وبمجرد ما دخل قال
مساء الخير.
ثم نظر مباشرة إلى يوسف.
وقال
كنت بدور عليك من أسبوع.
يوسف اتسعت عيناه.
وقال
أستاذ فؤاد؟!
الرجل أومأ برأسه.
فهمست ندى
المحامي…
أحمد قرب منه بسرعة.
إنت المحامي اللي كلم ندى؟
رد الرجل
أيوة.
ثم أخرج بطاقة تعريفه ووضعها على الطاولة.
وأضاف
وللأسف أنا جيت النهارده لأن الأمور بقت أخطر مما كنت متخيل.
القلق انتشر في المكان.
وأحمد قال
يعني إيه؟
فتح المحامي شنطته.
وأخرج ملفًا أسود سميكًا.
ثم قال
لأن في حد حاول خلال الأيام اللي فاتت يحصل على نسخة من الوصية قبل موعد تسليمها الرسمي.
الجميع بص لبعضه.
أما حماتي فكانت عيناها مثبتتين على الملف الأسود.
المحامي أكمل
والشخص ده استخدم مستندات قديمة وأوراق غير صحيحة.
ندى همست
مين؟
المحامي سكت لحظة.
ثم قال
أنا كنت جاي أعرف.
الصمت ساد ثانية.
لكن فجأة يوسف قال
الصندوق.
الكل بص له.
فأكمل
خالي عماد قال إن الإجابة كلها جواه.
أحمد أمسك المفتاح النحاسي.
وقال
هاتوه.
خرج يوسف مسرعًا.
وبعد دقائق رجع وهو شايل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
صندوق صغير.
لكن واضح إنه قديم جدًا.
وفي أعلاه حروف محفورة بعناية.
جلس الجميع حول الطاولة.
وأحمد أدخل المفتاح.
حماتي وقفت فجأة.
وقالت بعصبية
مش لازم يتفتح دلوقتي.
التفت الجميع إليها.
ولأول مرة…
كان اعتراضها الصريح دليلًا أكبر من أي اعتراف.
لكن أحمد أدار المفتاح.
تك.
وانفتح القفل.
رفع الغطاء ببطء.
والكل حبس أنفاسه.
في الداخل كانت هناك عدة أشياء
مجموعة أوراق قديمة.
صورة عائلية باهتة.
ظرف مغل
بالشمع الأحمر.
ومفكرة صغيرة سوداء.
المحامي مد




