حكايات صافي
كانت بنت الرجل اللي كانوا مستنيين منه أكبر صفقة في تاريخ العيلة.
لكن اللي حصل بعد كده…
كان أكبر بكتير من مجرد إلغاء صفقة.
لأن أبويا وصل بنفسه…
وكان معاه قرار هيقلب حياة العيلة كلها.
يتبع…
الفصل الثاني
الوقت كان بيعدي ببطء، والجو كان بيزداد سوء. المطر مش بس كان نازل بغزارة، ده كان محمل بهوا ساقع بيلسع الوش. وأنا ماشية على جنب الطريق الزراعي، رجليه كانت بتغرز في الطين، وشنط الهدايا اللي كنت حريصة عليها وكلفتني كام يوم من اللف والتدوير، بقت تتقل في إيدي مع كل خطوة.
كنت ماشية وبهدوء غريب. لا كنت بعيط، ولا كنت حاسة بانهيار. اللي كان جالع قلبي بجد هو الخيبة الكبيرة في أحمد… جوزي اللي قعدت شهور أجهز معاه لفرحنا، واللي كان قدام أهلي بيحلف إنه هيشيلني في عيونه. طلع أول ما شاف أول اختبار حقيقي، اختبأ جوه قوقعته، وبقى مجرد متفرج أجبن من إنه ينطق بكلمة حق.
وفجأة، وسط ظلمات الطريق والمطر، ظهرت أنوار قوية لعربيتين سودا موديل السنة، ماشيين ببطء في الطريق الزراعي الطينى المكسر. العربيتين دول ما كانوش عربيات عادية، دول كانوا بيمشوا بفرض هيبة وتصميم.
العربيتين وقفوا قدامي بالضبط. الباب اللي في النص اتفتح، ونزل منه عماد، السواق الخاص بأبويا، ومعاه مساعده الشخصي، وكانوا الاتنين ماسكين شماسي كبيرة. عماد جري عليا بخضة وقال بصوت كله قلق:
“يا نهار أبيض يا ست داليا! إيه اللي مركبكِ في المطر ده كله؟! الحاج اتجنن لما شاف الموقع بتاعكِ على الخريطة وشاف الفيديو! تعالي يا بنتي، تعالي اركبي.”
دخلت العربية الدافية، وقعدت على الكراسي الجلد الفخمة، ونفضت المية عن هدومي. أبويا، الحاج محمود، كان قاعد في الكرسي اللي جنبي، ولابس بدلته الكاملة اللي لسه راجع بيها من اجتماعات كبار رجال الدولة والاستثمار. ملامحه كانت حادة جدًا، ووشه هادي، الهدوء ده اللي دايماً بيسبق العاصفة الحقيقية.
بصلي بنظرة كلها أبومة وحنان، وفي نفس الوقت غضب مستتر ورا عيونه الحادة، وقال بصوت خشن ودافئ:
“حقك راجع يا داليا، ومش بس حقك… دول هيعرفوا مين هي بنت الحاج محمود اللي رباها وطلعها راجل.”
قلت بصوت هادئ وأنا بمسح وشي من المطر:
“أنا ما عملتراش حاجة يا بابا… كنت رايحة ومعايا هدايا للكل، ومجهزة نفسي عشان أبقى بنت أصول ليهم، بس هما اللي اختاروا.”
أبويا هز راسه ببطء، وابتسم ابتسامة صغيرة خالية من أي هزار، وقال:
“هما افتكروا إنهم بيلعبوا مع بنت غلبانة ملهاش ضهر، ولا حد يسأل عليها. بس خليهم بقى يستنوا الضيف اللي هيخبط على بابهم دلوقتي.”
في الناحية التانية، جوه بيت العيلة القديم…
المكان اللي كان مليان بالضحك والشماتة من شوية، اتحول بقدرة قادر إلى ثلاجة. الجو جوه البيت بقى مكهرب ومرعب.
الحاجة سعاد كانت قاعدة على الكرسي الكبير في الصالون، وماسكة السبحة بتاعتها وبتفركها بسرعة وعصبية. ورانيا كانت واقفة جنب الشباك وبتبلع ريقها بصعوبة، والموبايل لسه في إيدها ومرتعش بعد ما قرأت الرسالة اللي وصلت لمدير البيت من الشركة.
أحمد كان واقف في نص الصالون، ووشه أصفر زي الليمون، وبيهرش في راسه بتوتر وعصبيته باينة عليه، وبص لأمه وقال بصوت مهزوز:
“يا أمي… إنتِ متأكدة إن اللي حصل ده بجد؟! يعني إيه صفقة منتجع سياحي بملايين الجنيهات تتلغي كده في ثانية؟! مهندس مراد بنفسه اللي كان هيمضي العقد!”
الحاجة سعاد بصتله بغضب وقالت بصوت عالي وهي بتخبط بعصاتها في الأرض:
“وأنا هعرف منين يا زفت؟! ما تسأل مراتك المصونة! هي اللي عملت نفسها هانم وجاية تتدلع علينا بشوية شنط! أنا همي إيه من أبوها ومن فلوسه؟! هي فاكرة إنها هتدخل بيتنا تفرش طريقتها علينا؟!”
رانيا بلعت ريقها وقالت بصوت واطي وخايف:
“بس… بس يا عمتي… جوزي بيقول إن المشروع ده كان هيفتح الشغل لأهل البلد كلهم، وكان هيخلي عمي وعماتك في حتة تانية خالص… والكل كان مستنيه من سنتين!”
في اللحظة دي، دخل عم جوزي، الحاج صابر، وكان راجل كبير وله هيبة في البيت، وشعره الأبيض منكوش، وعينيه طايرة من الغضب. دخل وهو بيزعق بصوت هز حوائط البيت القديم:
“يا مصيبتكم السودة! يا واطيين يا جهلة! أنتوا عملتوا إيه؟! الحاجه اتصلت بيا حالا وقالت لي إن الحاج محمود شخصيًا هو اللي لغى العقد، وراجل الأعمال الكبير اللي مصر كلها بتتكلم عنه بقى عدو لينا في دقيقة واحدة! عارفين يعني إيه؟! يعني البلد كلها هتقطعنا، والشغل كله اتقفل في وشنا!”
أحمد وقف قدام أمه ومراته وعينيه تدمع من الخوف والضغط، وقال:
“إنتِ السبب يا أمي! إنتِ ورانيا! إنتِ قلتيلي ‘سيبها تنزل’ وأنا سمعت كلامك عشان أراضيكي! ورانيا فضلت تصور وتتذاكا وتعمل تريند على قفانا! أعمل إيه أنا دلوقتي؟! مراتي سابت البيت ومشت في المطر ومردتش ترد عليا!”
رانيا زعقت بصوت رايح:
“وأنا مالى يا خويا؟! هي اللي فرضا نفسها ورايحة تشترينا بفلوسها! ما كنت تقعدها في بيتها في القاهرة الجديدة وتريحنا!”
قبل ما النقاش يزيد، سمعوا بره صوت عربيات فخمة بتفرمل بقوة شديدة قدام باب بيت العيلة، صوت أبواب العربيات اتفتحت واتقفلت في وقت واحد بصوت قوي ومرعب، كأنها فرقة عسكرية نازلة تقتحم المكان.
جوه العربيات، أبويا نزل الأول، وبعدين أنا نزلت وراه. كنت غيرت هدومي في العربية ولبست معطف شتوي أنيق، ورفعت شعري، وكان شكلي كلي ثقة وقوة، مفيش أي أثر للتعب ولا للمطر عليا.
عماد والسواقين التانيين فتحوا باب العربيات وكانوا ماشيين ورانا بوقفة حراسة مشددة.
وصلنا لحد باب بيت العيلة الكبير، والمطر كان لسه خفيف بس الهوا شديد. أبويا ما استناش حد يفتح الباب، وبإيده الكبيرة زق الباب الخشبي القديم فتحه على مصراعيه، ودخلنا الصالون بخطوات ثابتة وصوت كعب جزمتنا بيعمل صدى في البيت كله.
الكل جوه الصالون اتجمد مكانه.
الحاجة سعاد وقفت مكانها، وعينيها جحظت كأنها بتشوف عفريت.
رانيا استدارت وراحت استبت وراء جوزها وهي بتترعش.
وأحمد… أول ما شافني داخلة وورايا أبويا ورجالته، رجليه مبقتش تشيله، ووقف ملسوع مكانه مش عارف يقول كلمة واحدة ولا يبص في عين أبويا.
الحاج صابر تقدم بسرعة، وكان وشه أصفر وبيحاول يبتسم ابتسامة صفراء ومرتبكة، وقال بصوت متهدج:
“أهلاً… أهلاً يا حاج محمود! منورنا يا راجل يا طيب… إيه النور ده كله؟! والله ما كان لزوم التعب ده كله في جو المطر ده…”
أبويا ما ردش عليه بكلمة واحدة. ولا حتى بص له.
أبويا مشي بخطوات بطيئة وبص للكل نظرة واحدة بس، نظرة كانت كفيلة تخلي الواحد يتمنى الأرض تنشق وتبلعه. وبعدين بص لأحمد اللي كان واقف زي المذنب، وقال بصوت هادئ جداً، بس كل كلمة فيه كانت زي طلقة الرصاص:
“أنت أحمد… صح؟ جوز بنتي داليا؟”
أحمد بلع ريقها بالعافية، وقال بصوت مرتعش ومش مسموع:
“أ… أيوه يا حاج… أنا أحمد.”
أبويا هز راسه بابتسامة سخرية، وقال:
“راجل بجد. مراتك تقف في المطر وتحت الشتا، وأهلك يقللوا أدبهم عليها ويهينوها، وأنت قاعد حاطط عينك في الموبايل زي العيال الصغيرة! دي تربية أهلك ليك؟ ولا دي الرجولة اللي بتتباهى بيها؟”
الحاجة سعاد مبقتش قادرة تسكت، دخلت بصوت حاد ومحاولة لإظهار القوة المزيفة:
“اسمع يا حاج محمود… البنت دي دخلت بيتنا وعايزة تمشينا على مزاجها من أول يوم! أحنا أهل بلد ولينا عاداتنا، ومش هنخلي بنت مدن تيجي تفرض سيطرتها علين…”
قاطعها أبويا بصوت مرعب خلى صوت المطر بره يسكت، ورفع إيده وقال بحزم شديد:
“اخرسي خالص… ولا كلمة!”
الكل سكت تماماً كأن الطير على رءوسهم.
أبويا كمل كلامه، وبص لمدير أعماله اللي طلع من جيبه ملف أوراق رسمي، ورماه على الترابيزة اللي في نص الصالون بصوت عالي.
أبويا قال:
“الملف ده فيه كل عقود الشراكة والتطوير، وفيه قرار الغاء نهائي للمشروع اللي كنتوا مستنيينه بفارغ الصبر. والملف التاني فيه قضايا تعويضات قانونية ضد كل واحد هنا شارك في إهانة بنتي وتشهير بيها على جروبات المجموعات… الفيديو اللي مرات ابنك صورتُه ونزلته، موجود منه نسخ أصلية في مكتب النائب العام دلوقتي.”
رانيا صرخت بصوت عالي:
“إيه؟! قضايا وإيه؟! أنا مكنش قصدي…”
أبويا بص لها باحتقار وقال:
“ما كانش قصدك لما ضحكتي وهي ماشية في المطر؟ دلوقتي بقى مش قصدي؟”
بعدين أبويا التفت ليا، وبصلي بحنان وقال:
“يلا يا داليا يا بنتي… المكان ده مش مكانك، والناس دي ماتحطيش رجلك فيه تاني.”
بصيت لأحمد للمرة الأخيرة، كان واقف ودموعه في عينه بينهار تماماً، وبيقول بصوت واطي:
“داليا… والنبي استني… متسبنيش… داليا سامحيني…”
لكنني ما رديتش. درت ظهري ومشيت ورا أبويا، وركبت العربية، وسيبت ورايا عيلة كاملة بتدفع ثمن الغرور والقلة الأصل، وفهموا أخيرًا إن الكرامة مش بفلوس ولا بعزوة، وإن اللي يستهزئ ببنت الناس، ربنا بيكسر دراعه في الوقت اللي ما يعلم بيه إلا ربنا.
العربيات اتحركت وسابت بيت العيلة في ظلام المطر والصمت التام.





