العقد القديم

هناك، دلّهم شاهدٌ منسيّ—ممرضةٌ ريفية مسنّة—على طريقٍ يقود إلى أكثر أحياء المدينة ظلــ,,ـــــمةً وخطورة، بحثًا عن «إلياس الأعرج»، المتشرّد الذي أصبح حارسًا غير متوقّع للطفلة.

وبعد أن غاصوا في أزقة البؤس، وجدوا إلياس متحصّنًا في برجٍ صدئ داخل مخزن حبوبٍ مهجور. وما إن رأى وجه شارلوت—الشبيه بوجه المرأة الشجاعة التي حاول إنقاذها في لحظاتها الأخيرة—حتى أسقط سلاحه وبكى بحــ,,ـــــرقة. اعترف بصوتٍ خشن بالحقيقة القاسية لتلك الليلة العاصفة: إيفلي، بساقين محطمَتين وجسدٍ محترق، زحفت كلبؤةٍ جريحة عبر الغابة المتجمّدة لتلد في الطين والثلج، متوسّلةً إليه أن ينقذ طفلها من رجالٍ مسلّحين بلا وجوه صدموا سيارتها.

وفى إلياس بوعده، وأخفى الطفلة في ميتمٍ مجهول، المكان الوحيد الذي لا تصل إليه يد الطمع الملوّثة بالدم.

غير أن وحوش الماضي لم تكن لتسمح بانكشاف الحقيقة بهذه السهولة، ولا بأن ينهار ذلك البناء الهائل من الأكاذيب الذي استغرق تشييده سنوات طويلة من الخداع والتلاعب والدماء. ففي اللحظة التي كان فيها إلياس يفرغ ما في صدـ,,ـــره من أسرارٍ دفــ,,ـــــنها الزمن، وبينما كانت كلماته تتساقط كحجارة ثقيلة فوق قلوبهم، دوّى فجأة صوت تحطّم الزجاج في أرجاء المكان، كأن السماء نفسها انشقت، تبعه صفير حادّ لرصاصٍ اخترق السكون واخترق معه ما تبقى من شعورٍ بالأمان.

تجمّد الجميع للحظة، لحظةٍ قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تغيّر مصيرهم إلى الأبد. أدرك سيباستيان، بغريزته التي صقلتها سنوات من الصراعات، أن النهاية التي هرب منها قد لحقت به أخيرًا. لم يكن هذا هجومًا عشوائيًا، بل كان تصفيةً مدروسة، ضــ,,ـــــربةً أخيرة لإغلاق الملف إلى الأبد.

في لمح البصر، كانت فرقة من المرتزقة المدججين بالسلاح قد أحاطت بالمبنى من كل جانب. رجال بملابس سوداء، وجوههم مخفية، وحركاتهم منضبطة كأنهم آلات صُممت لل. فقط. لم يتركوا مجالًا للشك: لقد جاءوا لينفذوا حكمًا لا رجعة فيه.

وسط هذا الجحيم المفاجئ، تحرك كول بسرعةٍ خاطفة، كأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية. صرخ بصوتٍ حاد: “اخرجوا الآن!”، بينما كان يفتح طريقًا لهم بإطلاقات دقيقة ومدروسة. أمسك سيباستيان بيد شارلوت بقوة، كأنها الشيء الوحيد الحقيقي في عالم بدأ ينهار من حوله، وسحبها خلفه دون تردد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *