العقد القديم

أما إلياس، فرغم سنه وجسده المنهك، فقد أظهر شجاعة لم يتوقعها أحد، إذ قادهم نحو ممرٍ ضيق يعرفه منذ سنوات، ممرٍ كان في الماضي مجرد طريق هروب من قسوة الشوارع، لكنه اليوم أصبح خط النجاة الوحيد.

تردد صدى الانفجارات في الخلف، وعندما ضغط كول على المفجر، اهتزت الأرض تحت أقدامهم، وانفجرت الأنفاق القديمة، مطمورةً خلفهم كل أثر، وكل طريق يمكن أن يسلكه مطاردوهم. كان ذلك تضحيةً صامتة، قرارًا يعرف كول أنه قد يكلّفه حياته، لكنه لم يتردد.

انطلقوا بعدها إلى الغابة، حيث الظلام الكثيف كان يبتلع كل شيء. لم يكن هناك طريق واضح، فقط حدسٌ يقودهم، وخوفٌ يدفعهم للأمام. جلس إلياس خلف مقود شاحنةٍ قديمة بالكاد تصمد، لكنها كانت خيارهم الوحيد. دارت المحركات بصوتٍ خشن، وانطلقت المركبة تشقّ الطريق بين الأشجار.

في الخلف، كانت الأضواء تقترب، مركبات سوداء تطاردهم بلا رحمة، وصوت الرصاص يملأ الهواء كعاصفة معدنية. أمسك سيباستيان بسلاحه، وعيناه ثابتتان كالجليد، وأطلق النــ,,ـــــار بدقةٍ قاتلة، مستهدفًا الإطارات والمحركات، لا بدافع الغضب، بل بدافع البقاء.

أما شارلوت، فكانت تعيش لحظة لم تختبرها من قبل. الخوف، الحقيقي، العاري، الذي يجعل القلب يضــ,,ـــــرب بعنــ,,ـــــفٍ يكاد يمزق الصدـ,,ـــر. لكنها، وسط كل ذلك، شعرت بشيء آخر… شعرت لأول مرة في حياتها بأنها ليست وحدها. أن هناك من سيقف أمام المــ,,ـــــوت لأجلها. أن هناك من وجدها أخيرًا… ولن يتركها.

وصلوا إلى الجسر الخشبي المتهالك، وكان واضحًا أنه لن يتحمل هذا الجنون. لكن لم يكن لديهم خيار. ضغط إلياس على الوقود بكل ما تبقى من قوة، وانطلقت الشاحنة كطلقة، تقفز فوق الألواح المتكسرة، بينما كانت المركبات خلفهم تقترب أكثر فأكثر.

وفي لحظةٍ حاسمة، انهار الجسر خلفهم، لتسقط مركبات المطاردين في الوادي السحيق، مصحوبةً بانفجاراتٍ أضاءت السماء للحظات، كأنها إعلان مؤقت لنهاية المطاردة. لكن النهاية لم تكن قد حانت بعد.

وصلوا إلى مزرعة مهجورة، مكانٍ صامت كأنه خارج الزمن. ظنوا للحظة أنهم نجوا… أن هذا الكابوس قد انتهى. لكن الحقيقة كانت تنتظرهم هناك.

خرج ستيرلينغ من الظلال، بهدوءٍ مرعب، كأن كل ما حدث لم يكن سوى خطوة في خطة أكبر. كان يحمل سلاحًا مزودًا بكاتم صوت، وابتسامة باردة تعكس عقلاً لا يعرف الرحمة. بدأ يتحدث، لا كمن يهدد، بل كمن يكشف نهاية قصة كتبها بنفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *