دفنوها حيه

بسرعة بقى، هي كفاية عملت مشاكل وهي عايشة — قالت الحاجة “سعاد” وهي بترمي حفنة تراب على النعش اللي فيه “ريم”.
الصوت كان ناشف ومرعب… كأن الخشب نفسه اشتكى.
في مقابــ,,ـــــبر منطقة “العامرية” بالإسكندرية، الشمس كانت حامية جدًا، نازلة على الشواهد والقبور اللي سخنت من الحر. كانت الساعة قربت من 2 الظهر، لكن الغريب إن مفيش حد حزين فعلًا…
مفيش دموع… مفيش دعاء بصدق.
كان موجود بس:
“حسام” جوز ريم،
ووالدته الحاجة سعاد،
وبنت صغيرة لابسة أسود ونضارة شمس، واقفة وراهم بخطوة… كأنها مستخبية، بس في نفس الوقت مش عايزة يفوتها المشهد.
“محمود”، مساعد حفّار القبور الجديد، كان واقف بيتفرج في صمت.
هو بقاله أسبوعين بس في الشغلانة دي. قبل كده كان بينام في الشارع، ويشتغل أي حاجة عشان يعيش. عم “عبدالله” حارس المقابــ,,ـــــبر هو اللي رشحه، لأنه شايف إن محمود، رغم فقره، عنده احترام للمــ,,ـــــوتى أكتر من ناس كتير عايشة.
لكن الجنازة دي… مكنش فيها أي احترام.
ريم عبدالعزيز ماكنتش ست عادية. ناس كتير في الإسكندرية كانت تعرفها… لأنها بنت شركة ناجحة في المنتجات الطبيعية، وبتتعامل مع فنادق ومطاعم في القاهرة والساحل.
كانوا بيقولوا إنها صارمة… آه،
بس عادلة.
كانت بتدي مكافآت،
وتساعد الستات اللي لوحدهم،
وتتبرع لجمعيات خيرية،
وعمرها ما أهانت حد شغال عندها.
علشان كده محمود استغرب جدًا إن وداعها كان سريع… بارد… كأنه بيحصل في السر.
حسام ما دمعتش عينه حتى.
بص في ساعته الغالية واتنهد:
— يلا نمشي يا أمي… بكرة عندنا معاد مع المحامي.
— تمام يا ابني… خلاص مفيش حاجة هنا — ردت الحاجة سعاد.
البنت اللي لابسة أسود رمت شوية تراب كأنها بترمي زبالة، وعدّلت نظارتها ومشيت ورا حسام.
محمود بص للأرض.
في حاجة جواه اتقلبت.
بعد ما العربية السودا اختفت وسط الأشجار، عم عبدالله مشي ناحية البوابة، ومحمود مسك الجاروف.
شغلته كانت بسيطة:
يقفل القبــ,,ـــــر،
يسوّي التراب،
ويحط شوية ورد.
دخل الجاروف في الأرض.
ضــ,,ـــــربة أولى…
ضــ,,ـــــربة تانية…
وفجأة… سمع حاجة.
صوت خافت جدًا.
زي أنين.
محمود وقف مكانه.
بص حواليه… مفيش حد قريب. في شوية ستات بعيد بيقروا قرآن، لكن صوتهم مش ممكن يوصل كده.
رفع الجاروف تاني…
والصوت اتكرر.
المرة دي أوضح.



