عايزه خدامه

الشهور كانت بتجري، والترتيب اللي نهلة حطته بقى هو الروتين اليومي. بس الغريب إن الروتين ده بدأ يتسلل جواه حاجة مكنتش عاملي حسابها.. أنا بدأت أتغير من ناحية هنا.
في الأول، كنت بشوفها زي ما أمي ونهلة شايفينها؛ ست غلبانة، ملهاش طلبات، ومصدقة إنها لقت مكان تلم فيه نفسها بعد طلاقها. كنت بتعامل معاها بحذر، كأني خايف أكسر النظام اللي مريح البيت كله. بس مع الوقت، السكوت اللي في شقتها مابقاش يحسسني بالوحدة، بالعكس، بقى يحسسني بـ “الس*كينة”.
نهلة كانت لما بتيجي من الشغل، تدخل تقعد معايا، كلامها كله عن الشغل، والمدير اللي مضايقها، والترقية اللي فاضل عليها تكـة، والناس اللي بتنافسها. كلامها كله كان عبارة عن معركة مستمرة، كنت بطلع من القعدة معاها راسي بتلف ومشدود وعصبي.
لكن لما كنت بطلع شقتي فوق مع هنا.. كان الوضع مختلف تماماً.
أول ما بفتح الباب، بتستقبلني بابتسامة صافية، مفيش في عينيها غرض، ولا مستنية مني تقرير عن طموحاتي. كانت تاخد حاجتي، وتطمن عليا بكلمتين حنينين. لأول مرة من سنين، ألاقي حد بيسمعني وأنا ساكت، حد مش عايز مني حاجة غير إني أكون مرتاح.
بقيت ألاحظ تفاصيلها الصغيرة؛ طريقة رصها للمخدات، ريحة الهدوم اللي بتكويها وهي بتدندن بصوت واطي في الصالة، كوباية الشاي بالنعناع اللي بتعملهالي في نفس الميعاد من غير ما أطلب. لقيت نفسي بدون ما أحس، بقيت بستعجل الوقت اللي هطلع فيه الشقة فوق. بقيت بتهرب من قعدة تحت ومن مناقشات نهلة اللي مبتخلصش، عشان بس أطلع أقعد في الهدوء ده.
وفي يوم، كنت راجع وتعبان جداً وضغطي واطي، دخلت لقيت هنا مجهزة العشا، وبمجرد ما شافت وشي، لقتها اتخضت وجريت جابتلي ملوحة وليمون وقعدت جنبه على الأرض، وبدأت تدلكلي دماغي بإيدها الدافية وهي بتسمي وتدعيلي.
في اللحظة دي، وأنا باصص لملامحها الهادية والخوف الحقيقي اللي في عينيها عليا، حسيت بكتلة ثلج كانت جوه قلبي وبتدوب. حسيت يعني إيه يكون ليك “ضهر” و”بيت” بجد، مش مجرد شركة ومصلحة اجتماعية. حسيت بأمان مكنتش دوقته من يوم ما اتجوزت نهلة.
وفجأة الباب اتفتح، ودخلت نهلة وهي ماسكة ملفات في إيدها، وبصت للوضع وضحكت بنبرة فيها سخرية وقالت:
ـ ” آه يا سيدي.. متدلع على الآخر أهو! كويس إنك فوق يا هنا، معلش انزلي تحت هاتيلي الشنطة السودا بتاعتي من أوضة مامتك عشان نسيتا هناك، واعمليلي قهوة مظبوطة وهاتيها معاكي وأنتي طالعة”.





