السكرتيره حكايات روماني مكرم

“منيرة عبدالحميد.” إيده شدّت على طرف المكتب قدامه. “وكانت… عايشة فين من 25 سنة؟” هناء ابتدت تحس إن رجليها بتتلخبط. “في شبرا… ليه يا فندم؟” لفّ لها أخيرًا. عينيه الرمادي بقت فيها رعشة واضحة. “لأن الصورة دي… كانت آخر صورة شوفتها لبنتي.” الكلمة نزلت عليها زي سقف وقع. “بنتك؟!” قعد تاني، بس المرة دي مش بهيبته المعتادة. “مراتي سابت البيت فجأة… واختفت. خدت بنتي معاها. حاولت أوصلهم بكل الطرق. وقتها كنت لسه ببدأ، ماكنش ليا النفوذ اللي عندي دلوقتي. وكل اللي فضل لي منها… الصورة دي.”

هناء حسّت الدنيا بتلف تاني، بس المرة دي مش من صدمة الصورة… من المعنى اللي وراها. “اسم بنت حضرتك كان إيه؟” سألت وهي قلبها بيتمنى يسمع إجابة معينة… وفي نفس الوقت مرعوبة منها. عاصم بص لها مباشرة، وكأنه بيختبر القدر: “هنا.” صوت الساعة على الحيطة كان مسموع بوضوح. هناء افتكرت حاجة… حاجة كانت دايمًا مستغربة منها. أمها كانت دايمًا ترفض تحكي عن أبوها. كانت تقول إنه “مـ,ـات”، لكن عمرها ما ورتها صورة له. ولا شهادة وفـ,ـاة.

ولا حتى اسم واضح. “اسمي في البطاقة هناء… بس أمي كانت بتناديني هنا لحد ما دخلت المدرسة.” قالتها بصوت مهزوز. الهواء بقى تقيل. عاصم قرب خطوة، وملامحه بقت مليانة صراع. “تاريخ ميلادك؟” قالته. كان هو نفسه التاريخ اللي محفور في ذاكرته من سنين. سكتوا الاتنين. الشك بقى يقين تقريبًا… بس اليقين محتاج دليل. فجأة عاصم مد إيده ناحية درج مكتبه وطلّع ظرف قديم جدًا. فتحه بحذر، وطلع منه نصف صورة… نصها مقطوع. نص الصورة كان باين فيه رجل شايل بنت صغيرة بنفس الفستان الأبيض… والجزء التاني مفقود.

هناء قربت الصورة اللي في البرواز من النص اللي في إيده… والقطعتين ركبوا مع بعض كأنهم عمرهم ما اتفصلوا. أنفاسها اتقطعت. هو قال بصوت مخنوق: “أنا عمري ما اتجوزت بعدها… عمري ما خلفت… لأني كنت مستني بنتي ترجع.” دموع هناء نزلت من غير إذن. “طب… لو أنا بنتك… ليه أمي خدتني ومشيت؟ وليه قالتلي إنك مت؟” السؤال كان سـ,ـكين. وعاصم لأول مرة يبان عليه العجز. “لأن في اليوم اللي اختفت فيه… كنت رافض أوافق على حاجة كانت هتغير حياتنا للأبد.”

“إيه هي؟” همست.

بص لها نظرة تقيلة… مليانة أسرار مدفونة. “كنت رافض أشارك في قضية كبيرة جدًا… قضية كانت هتدخلني عالم النفوذ الحقيقي. ناس تقيلة. خطيرة. وأمك… كانت شايفة إن ده مستقبلنا. حصل خلاف… كبير.” وقف لحظة، وبص للصورة المتركبة قدامه. “تاني يوم صحيت… لقيتهم مشيوا.” هناء حست إن جزء من حياتها اللي كانت فاكرة إنه بسيط وفقير… طلع وراه شبكة معقدة من الأسرار. لكن فجأة… باب المكتب خبط خبطتين خفاف. الست كريمة دخلت وشها شاحب. “أستاذ عاصم… في حد برا مُصرّ يقابلك حالاً. بيقول إن الموضوع يخص… الآنسة هناء.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *