مقابله شغل

المرأة التي دخلت قاعة الاجتماعات الزجاجية وهي مغطاة بالطين، والتي سخر منها الجميع، كانت على وشك أن تغيّر حياة أقوى رجل أعمال في القاهرة.
لم يكن أحد يعلم ذلك بعد ولا حتى هي نفسها.
لكن سيف الدين المنصوري، صاحب واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية في القاهرة الجديدة، وجد في تلك الفتاة شيئًا لم تستطع أمواله ولا أبراجه ولا علاقاته الواسعة أن تشتريه يومًا الكرامة الحقيقية.

بدأ المطر قبل الفجر، وكانت القاهرة تبدو أكثر كآبة من المعتاد.
كانت مريم عبد الرحمن تمشي بسرعة على الرصيف المبتل في شارع صلاح سالم، تحتضن ملفًا أزرق كأنه كنز.
وفي الحقيقة كان كذلك.
داخله كانت أفكارها، حملاتها التسويقية، سهرها الطويل، ومشاريعها التي قدمتها مجانًا لمحال صغيرة في الحي وكان أيضًا آخر أمل لها لتغيير حياتها.

عند الساعة 917 صباحًا حدثت الكارثة.
مرت سيارة مسرعة بجانب الرصيف، ورفعت موجة من المياه الملوثة سقطت مباشرة عليها.
غطى الطين معطفها البيج، وتنورتها، وساقيها وحتى وجهها.
اختل توازنها، وانكسر كعب حذائها الأيسر بصوت حاد.
تجمدت مريم في مكانها تحت المطر الخفيف.
رجل يحمل مظلة ضحك باستخفاف.
فتاتان نظرتا إليها من أعلى لأسفل ثم أكملتا طريقهما.
لا أحد توقف.
لا أحد سأل هل أنتِ بخير؟

نظرت مريم إلى انعكاسها في زجاج محل مغلق بالكاد تعرفت على نفسها.
بدت وكأنها مهزومة قبل أن تبدأ المعركة.
فكرت أن تعود إلى الغرفة الصغيرة التي تستأجرها في منطقة السيدة زينب أن تختبئ تحت بطانية، وتنسى كل شيء.
لكنها تذكرت أختها الصغيرة سلمى.

كانت سلمى لا تزال نائمة عندما خرجت مريم صباحًا.
تركت لها ورقة صغيرة على الطاولة، مثبتة بمغناطيس على شكل قلب
حتى لو الدنيا قفلت كل الأبواب إوعي توطي راسك.
أغمضت مريم عينيها.

سلمى كانت تعمل ورديات مزدوجة في مطعم شعبي، وفي الليل تغسل ملابس الآخرين لتساعد في الإيجار.
عمرها 22 سنة لكن التعب في عينيها كان أكبر من عمرها بكثير.
ومع ذلك لم تشتكِ يومًا.
كانت دائمًا تقول لها
في يوم الشخص الصح هيشوف تعبك وموهبتك.

إذا استسلمت مريم الآن فهي لا تخذل نفسها فقط بل تخذل أختها أيضًا.
أخذت نفسًا عميقًا، عدّلت حذاءها المكسور قدر الإمكان وأكملت طريقها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *