ليالي

جلست حورية معها في الشرفة، وقالت بمرح:
“على فكرة أنا أول ما شوفتك حسيتك طيبة ودمك خفيف.. والنهاردة اتأكدت!”
ابتسمت لها ليالي، ولاحظت شيئاً:
“هو أنتِ ليه مش بتتكلمي صعيدي زيهم كده؟”
ضحكت حورية:
“عشان أنا جامعتي في القاهرة وبقضي أغلب وقتي هناك فـ اتعودت على لهجة القهراوية!”
هزت ليالي رأسها بتفهم:
“يعني أنتِ أصغر من بدر بقا؟”
”أيوة.. بدر ده أخويا وأبويا وأمي في نفس الوقت.. بحبه جداً وهو عمره ما زعلني، حتى لما ماما رفضت أكمل تعليمي في مصر، هو وقف قصادهم وقال سيبوها تكمل حاجة هي عاوزاها لو عكس عاداتنا.. عشان كده دهب هتموت عليه ومستعدة تعمل أي حاجة عشان بس يديلها نظرة.. بس هو مش في دماغه خالص.”
سألت ليالي بفضول غير مقصود:
“آه.. طب وهي ليه مش في دماغه؟”
”عشان ببساطة مش ذوقه.. بدر ميحبش البنات المتلونة من بره ومن جوه.. وكمان هو عارف إنها هتموت عليه، فـ الحاجة السهلة مش بتشغل باله!”
ابتسمت ليالي ونظرت للحراس بالأسفل، وقضت بقية اليوم في ضحك وحكايات مع حورية.
في المساء..
عاد بدر وبصحبته عمه عدنان، وجلسوا على السفرة يتناولون العشاء ويتحدثون في مصالحهم بجدية، حتى انتهى اليوم وصعد كل شخص لغرفته مستعداً لنوم عميق.
في غرفته..
كان بدر يخلع جلبابه، ولاحظ بقعة دم صغيرة بدأت تتشرب في الشاش مكان الجرح
. تحسسه ببطء فـ انكمشت حاجباه بألم. تناول علبة الإسعافات الأولية، وخرج متوجهاً لغرفة ليالي.. طرق الباب بأصول، وعندما سمحت له بالدخول، دلف وجلس على طرف سريرها ومد يده بالعلبة:
“اتفضلي.. شوفي شغلك اللي أهملتيه.”
نظرت له ليالي بغيظ واضح وأخذت العلبة بعنف من يده:
“لو مش عاجبك شغلي مشيني.. مشيني ياخويا!”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة غامضة، وقال بصوت منخفض:
“لا.. عجباني.”
تسمرت ليالي في مكانها، وتوقفت يدها عن الحركة وهي تخرج القطن والمطهر.
شعرت بانقباضة مفاجئة في قلبها وضخ دماء سريع بسبب جملته التي ألقاها هكذا دون حساب لقلبها المسكين!
حاولت تجاهل دقات قلبها العنيفة، واقتربت منه تمد يدها للجرح..
وفجأة حاصرتها رائحته الرجولية الطاغية الممزوجة بالتبغ وعطره الفاخر.
بلعت ريقها وهي تذكر نفسها:
(ركزي في الجرح يا ليالي.. ركزي وبلاش هبل).
أما هو.. فكان يتفحص ملامحها بهدوء شديد، يدرس تفاصيل وجهها القريب منه، لم يعد يهمه ألم الجرح بقدر ما شغلته خصلات شعرها البنية وعيناها اللتان تتحركان بتركيز شديد فوق جسده.




