ليالي

“يا عيني عليك يا ولدي.. غدروا بيك يا جلب أمك، خدوك على خيانة وف وسط ضلمة الليل! تتقطع اليد اللي صابتك يا نن عين أمك من جوة!”

​دخل بدر الممر وهو يستند بثقله على أحد رجاله المسلحين، وجهه شاحب لكن عينيه كانتا تشعان بالقوة، قال بنبرة حاسمة:

“كله هيتحاسب يا امي.. متجلجيش، حقنا هيرجع تالت ومتلت. وبعدين الدكتورة هنه معايا عشان تسعفني وتعاود الجرح.. مش كديه برضو يا دكتورة؟”
​نظر إليها، ولمحت ليالي في عينيه بريق مكر وتحدٍ،
فهمست لنفسها بغيظ مكتوم:
(ده أنا هطلع ميتينك).

ابتسمت بتكلف شديد وقالت بنبرة مصطنعة:

“طبعاً.. طبعاً يا بدر بيه، ده أنا حتى قعدت أتحايل على مديري في القاهرة يجيبني هنا بنفسي عشان أطمن على صحتك!”

​لمحت شبح ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتيه لثانية قبل أن يخفيها برزانة، وتمتم بهدوء:

“طيب.. دهب هتوديكِ مطرحك ترتاحي.”

​حولت ليالي نظرها إلى الثلاث فتيات اللواتي يجلسن بجوار السيدة الكبيرة. وقفت إحداهن، كانت ممشوقة القوام، تتفحص ليالي بنظرات متعالية لم تعجبها أبداً، وقالت بجفاء:

“أني دهب.. تعالى وراي أوريكِ مطرحك.”

​أومأت لها ليالي بتكلف وذهبت خلفها صامتة. دلفت إلى غرفتها التي كانت واسعة وباردة، وطلبت من دهب أن تجعل الحراس يجلبون حقيبتها من سيارة المستشفى، فأومأت دهب بامتعاض واضح وغادرت دون كلمة.
​ارتمت ليالي على السرير وهي تتوعد:

“منك لله يا مدير الزفت.. وديني لأوريك، مابقاش ليالي إن ما ندمتكم!”

اضطرت للسكوت مؤقتاً حتى لا تثير مشاكل قد تنتهي ببلاغ ضدها يتهمها بالتقصير في العمل والهروب من التكليف.
​غيرت ثيابها بأخرى قطنية مريحة بعد أن أحضروا حقيبتها، واستلقت على السرير الواسع ناوية الاستسلام لنوم عميق ينسيها هذا الكابوس، ولكن.. انفتح باب غرفتها فجأة وبدون أي استئذان!
​انتفضت ليالي وصاحت بغضب:

“جرى إيه يا اللي يبتليكم ربنا؟! محدش علمكم الأدب وخبط الأبواب ولا إيه؟!”

​كانت الفتاة تدعى هند، إحدى الفتيات اللواتي رأتهن بالأسفل، وقفت ببرود وقالت بلهجة آمرة:

“جومي فزّي يا دكتورة.. إنتِ جاية هنه تنامي؟! بدر بيه عيطلع أصوات واعره وكأنه تعبان جوة، جومي شوفي شغلك!”

​تأففت ليالي بنفاذ صبر وهي تنهض من السرير، وتوجهت خلفها لغرفة بدر التي لاحظت أنها مجاورة لغرفتها تماماً. دلفتا الغرفة، لتجد بقعة دم جديدة بدأت تتشرب من خلال التيشيرت الأبيض الذي يرتديه مكان الجرح.
​تقدمت منه بهدوء مهني، وتناولت علبة الإسعافات الأولية الموضوعة بجانبه، جلست على طرف السرير ونظرت إليه بجدية، بينما كان هو يراقب حركاتها باستغراب.
​سأل بدر بنبرة خافتة متحشرجة من الألم:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *