ليالي

​”إنت بتقول إيه؟! دوار إيه وبتاع إيه؟ أنا مش هتحرك من مكاني، ورجلي مش هتعتب برا المستشفى دي!”

​تنهد الرجل بنفاذ صبر، وتحدث ببرود وثقة تامة:

“والله يا ست الدكتورة دي أوامر الكبير، ومحدش في بلادنا بيجدر يرفض لبدر بيه طلب.. عاد لو وافقتي بالذوق خير، لو ما وافقتيش هتعاودي معانا برضه.”

​”أنا هرفض وعادي جداً! أنا جاية بتكليف للمستشفى دي عشان أعالج ناس غلابة، مش جاية عشان أبقى دكتوره خصوصية لكبير البلد بتاعكم!”

​نفض الرجل يده بيأس من عنادها، وخرج من الغرفة بهيبته الصارمة. جلست ليالي على الكرسي بعنف، تشعر بالدوران وشرود تام في هذا المأزق الذي وضعت فيه بغير حول منها ولا قوة.

​لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى صدح هاتفها بنغمتها المعتادة. نظرت للشاشة فوجدته مدير مستشفاها السابق في القاهرة! أجابت بلهفة تحسبه منقذها:

“أيوة يا فندم! الحقني أنا في مصيبة..”

​قاطعها صوته وهو يصرخ في أذنها بغضب أطاح بآمالها:

“إنتِ بتعملي إيه عندك يا ليالي؟! إزاي ترفضي تروحي تكملي علاج عمدة البلد وكبيرها؟! إنتِ اتجننتي وعايزة تخربي بيوتنا؟!”

​عقدت حاجبيها بصدمة من طريقته، وصاحت هي الأخرى بعصبية:

“لا بقولكم إيه.. وحياة أبوكم لأبلغ عنكم كلكم! هو فيه إيه؟! كل شوية كبير البلد وعمدة البلد! كبير على نفسه مش عليا! أنا مش طالع عيني في سبع سنين كحيت فيهم تراب في الكلية عشان أترمي في دوار وأعالج واحد جاهل مش راضي يبلغ البوليس إنه كان هيموت! لا وكمان هددني في وشي!”

​”اسمعي الكلمتين دول كويس يا ليالي.. يا تعملي زي ما بدر بيه بيقولك، يا إما مستقبلك المهني كله هيقيف والمستشفى هنا هتقفل! إنتِ متعرفيش العيلة دي جبروت وسلطة إزاي في المحافظة كلها! روحي معاهم أسبوعين بالعدد يكون الجرح لمّ وارجعي مكانك، وبلاش شوشرة!”

​”ولا حتى ساعتين! واللي عندكم اعملوه!” قاطعت الخط بعنف وهي تتنفس بسرعة من شدة الغيظ.

​بعد مرور ساعة تقريباً

​كانت ليالي تقف في منتصف ردهة بيت واسع، أقسمت بداخلها أنه قصر تاريخي وليس مجرد بيت ريفي. السقوف شاهقة، والأعمدة الرخامية تزيد المكان هيبة.
​على أريكة خشبية عتيقة، كانت تجلس سيدة في الستين من عمرها، ترتدي عباءة سوداء وتنتحب بصوت مخنوق بالدموع، وعرفت ليالي فوراً أنها والدة بدر من كلماتها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *