صوت كعب حذائها

أغمضت فيروز عينيها بشدة دون أن تلتفت لصاحب الصوت وصاحب أفكارها الذي خلفها، لكنه ابتسم أشبه بابتسامة انتصار وقال قاسم
_ ياترى إيه سبب حضورك الكريم
التفتت إليه ببطء، شعرها يطير من حولها في كل اتجاه من شدة الهواء، فحجب عينيها عنه للحظة قبل أن تزيحه وتهتف بصوت بدا ثابتًا عكس عينيها التي تدور بكل شيء عداه
_ أكيد مش جاية ليك مخصوص
ارتفع حاجباه بابتسامة على وجهه، أشار للحرس من خلفه بالابتعاد فامتثلوا لرغبته، فوضع إحدى يديه في جيب بنطاله وعينيه تلاحق عينيها
_ أمال بتعملي إيه هنا
تململت فيروز وبضيق مجيبة
_ أسيل كانت جايلك بورق وأنا كنت مستنياها هنا
أومأ برأسه وصمت لحظة متسائلًا

و ليه ماطلعتيش معاها
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وشعرها يعبث به الهواء فيجعلها لوحة رقيقة وناعمة،
مسح على شعره الأسود القصير وأردف قاسم بنبرة متسليه
_ فيروز أوعي تكوني بتهربي من الصدفة الرابعة
زفرت بارتباك ورغبة في إنهاء النقاش معه فقالت مختصرة
_ تقدر تقول كده
ضحك قاسم فجأة وهو يقول بتسلية
_ يعني جاية شركتي ومش عايزة تشوفيني، قولي ماتكدبيش جاية مخصوص علشاني صح
التفتت إليه، ونظرت إليه بعينيها باستنكار، وقد حدث ما أراد، وأمسك بعينيها المتهربة عنه، عينيها باتساعها ورغم سوادها القاتم، إلا أنها دافئة جدًا ومتحيرة جدًا جدًا، وخائفة!
توهجت بشرتها دون إرادتها، وكيف لا، وعينيه بانعكاس الشمس عليها ولونها الأخضر بلون الزيتون متوهجتين وخطيرتين، تنظر إليها بتلك الطريقة، ورجل بهيبته رغم صغر سنه بحضوره الطاغي ومكانته وحراسته المتأهبة من خلفه، يقف في الشارع يتحدث مع فتاة مثلها ويحسب لها عدد لقاءاتهم القدرية.
ظلا في تشابك غير مرئي بعينيهما وهالة تجذب كلاهما للآخر، حتى قطع اتصالهما صوت صرير عالٍ لسيارة ضخمة سوداء ويخرج من نوافذها رجال لمنتصف خصرهم، تأهب رجال قاسم واندفعوا سريعًا إليه ليجذبوه بعيدًا لحمايته، لكنه لم يتحرك دون أن يمسك فيروز من يدها ويجذبها إليه في المقدمة وهو من خلفها ومن خلفه يحاوطه حراسه حتى اختفوا خلف سيارته كدرع لهما، ودوي صوت طلقتين عشوائيتين
وردها حراس قاسم بعدة طلقات حتى ابتعدوا فارين…
كانت فيروز تنتفض خوفًا ورهبة وقاسم يحاوطها بجسده بحماية وكانت سيارته درعًا لهم من الطلقات العشوائية ومن خلفهم حراسه يحاوطونهم، وعندما دوي صوت الطلقات صرخت فيروز ودست نفسها في أحضان قاسم أكثر وقد وصل بها الهلع مبلغه وظنت أنها على مشارف الموت، جذب قاسم رأسها لصدره مطمئنها ببعض الكلمات التي لم تصل لأذنها بسبب صراخها المستمر، رفع رأسه هادرًا بأحد الحرس الذي هرول إليه وأبلغه بإنهاء الأمر وفرارهم.
تنفس قاسم الصعداء أن الأمر لم يزد سوءًا عن هذا حتى لا يصاب أحدهم، خصوصًا تلك التي بين ذراعيه، والغريب والمنافي لهيبة الموقف الآن، مسد قاسم بيده على رأسها وشعرها بهدوء، وبصوت خافت طمأنها بنهاية الأمر، هدأت انتفاضة جسدها ومازالت قابعة بين ذراعيه وهو كل ثانية وأخرى يشد عليها، تململت فيروز وابتعدت فأزاح يديه عنها على مضض، نظرت حولها وقد تجمع بعض من المارة والموظفين والحرس يحاوطونهم، ثم رفعت عينيها الباكية إليه ورعشة أصابتها كليًا، أخفضت عينيها بسرعة غير مصدقة أنها كانت في أحضانه منذ لحظات، أحضانه هو!
تململت تنوي الهروب لكن يده التي أمسكت يدها منعتها من التحرك دون إرادته هو.
………….
بغرفة مكتب قاسم وإصراره الصامت على وجود فيروز القابعة على إحدى المقاعد الجلدية المريحة، في غرفة لم ترَ في فخامتها من قبل، واسعة جدًا واجهتها بالكامل من الزجاج الأسود المقوى، مكتب فخم وغرفة منفصلة عنه بباب ومن فتحته أدركت أنها غرفة الاجتماعات والتي تكفي لأكثر من مئة شخص،
تنظر إليه وللاتصالات الهاتفية له كل دقيقة في استغراب لانتشار خبر الحادث بتلك السرعة.
لم تجد سببًا لوجودها للآن فاستقامت واقفة، فخرج صوته الهادئ
_ رايحة فين
أجابته فيروز بوضوح
_ ماشيه، أنا هاقعد ليه هنا
تحرك قاسم إليها ووقف أمامها مباشرة
_ مش هاينفع أسيبك تمشي لوحدك
عقدت حاجبيها وهتفت
_ ليه، زمان أسيل قلقانة عليا وهاروح معاها
_ فيروز أنا مش هاكون مطمن حتى لو كنتي مع أسيل
_ تطمن على إيه، اللي حصل تحت مايخصنيش أنا، شوف إنت ليك مشاكل مع مين ولا عملت فيه إيه وصلته لكده
نظر لها لبرهة وبخفوت تساءل
_ هو إنتي شايفاني شخص مؤذي لدرجة إني أستاهل محاولة قتل زي دي
أخفضت رأسها عنه وبتعب أجابت
_ أنا ماعرفكش علشان أحكم عليك، أنا ماقدرش أحكم على أي حاجة، عالمكم ده صعب وكله صراعات، عاملين زي سمك القرش لو ماعرفتوش تاكلوا بعض بتاكلوا اللي أضعف منكم
ألقت بكلماتها دفعة واحدة بوجهه، نظرت له بترقب، رأت وجهه ثابتًا إلا من حركة بجانب صدغه ودكون عينيه، مادهاها لتقولك تلك الكلمات، أ لم يكن خروجها بسلام أفضل!
_ وإنتي العالم بتاعك إيه، مسالم وطيب، مافهوش سمك قرش
كان صوته جادًا وكلماته حادة بها لهجة سخرية، لم تدرِ بأي إجابة تجيبه، لكن تهدلت كتفيها وببسمة باهتة قالت فيروز
_ بنداري جنب الحيط، مش طالبين غير الأمان وأربع حيطان، القروش اللي عندنا مش قوية زيكم، لكنها برضو قادرة تستقوي على اللي أضعف منها، وإحنا دايمًا الأضعف
ضيق قاسم عينيه قد شعر بحديثها بالألم، رفع يده برغبة شديدة لم يستطع تجاهلها ولامس وجنتها الشاحبة، فاتسعت عينيها وبتلقائية عادت خطوة للخلف، وثبتت يده المرفوعة في الهواء للحظات قبل أن تسقط بجانبه.
_ اعرفيني
رمشت بعينها عدة مرات باستغراب، فابتسم بسمة صغيرة جدًا وهو يومئ برأسه مؤكدًا
_ اعرفيني الأول وبعدين احكمي عليا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *