صوت كعب حذائها

لم يجد كمال أن الجدال في الهاتف سيجدي نفعا، فأنهى محادثته مع تحديد موعد للحديث بجدية في موضوعه وفيروز.
أخذ أنفاسا عدة يهدئ من نفسه، لم يكن يرغب بالسفر في ذلك الوقت تحديدا، فكان يشعر أن علاقته بفيروز اتخذت منحنى آخر وتخطت جزءا كبيرا من المسافة بينهما، فأراد أن يكون حولها ليؤكد لها صدق مشاعره وتأكيد قراره.
انتشل هاتفه من على مكتبه وهاتفها، فجاءه صوتها الناعم، فأغمض عينيه لبرهة كأنه استعاد هدوءه مرة أخرى وشعر بالسلام.
_ ماتعرفيش صوتك بيهديني إزاي يا فيروز.
ابتسمت على الجهة الأخرى وتساءلت
_ وإيه مخليك متعصب؟
_ الشغل في لخبطة ومشاكل، فمضطر أسافر النهاردة بالليل.
_ تسافر فين؟
_ لندن.
سكتت فيروز وقد انطفأ حماسها لمكالمته، وشعرت بانقباضة مؤلمة بقلبها، فأكمل هو
_ مش هاتأخر… فيروز؟
_ نعم.
بترَيث تساءل قاسم
_ صوتك اتغير ليه؟
أجابت كاذبة
_ عادي.
رمش عدة مرات، وبانتباه شديد، وبوادر ابتسامة في طريقها للظهور
_ إنتي مش عايزاني أسافر؟
لو كان رأى وجهها الآن لتأكد من ذلك، لكن صمتها كان في الوقت الراهن أفضل إجابة له، فسمعت ضحكته، فتساءلت
_ بتضحك على إيه؟
_ نفسي تكوني قدامي دلوقتي علشان أسمع منك إنك فعلا مش عايزاني أسافر، فيروز، إنتي فعلا كده؟!
لم تجبه على الفور، كان في داخلها حرب ما بين عقلها يحثها على الصمت وقلب يلح عليها بالقول، فاكتفت بقولها الأكثر من كافٍ الآن
_ ممكن ماتتأخرش أرجوك.
اتسعت ضحكته وأجابها مؤكدا
_ ماقدرش أتأخر عنك… واعملي حسابك هما يومين وهارجع أحدد ميعاد مع كمال على طول.
كان صوته لا يقبل نقاشا، وكأنه قرار اتخذه، وللغَرابة غمرها ذلك الحماس والشغف، وعن عمد حاولت تجاهل ذلك الوجع في أيسر قلبها.
للهوى رأي آخر
الرابع عشر
كان ظاهر اختلافهم وهم واقفين أمام ڤيلا كمال، أعينهم متسعة ينظرون حولهم بانبهار وأنفاس ضعيفة جشعة مثلهم لم يعرفوا الحمد ولا غض الطرف عن نعمة غيرهم فازدادوا إصرارًا على انتشال ما تطاله أيديهم.
اتجه رضا من البوابة قائلًا:
_ السلام عليكم يا باشا
انتبه أفراد الأمن وأشاروا لهم بازدراء:
_ امشوا من هنا يالا
_ الله الله ليه بس ده إحنا ضيوفكم
هتف به أحد أفراد الأمن بحدة:
_ عايزين إيه؟
_ عايزين كمال بيه
نظروا لبعضهم وقد ظنوا أنهم أحد المتسولين، فبحدة هتفوا:
_ كمال باشا مش موجود، يالا من هنا
تدخلت مروة ودفشت أحدهم وصرخت به:
_ طب ناديلنا حد من جوه نكلمه، مش هانمشي من هنا غير لما ندخل
صرخ بها الرجل دافعها للخلف بغضب:
_ إنتي فاكرها وكالة؟ يالا من هنا بدل ما أبهدلكوا
_ تبهدل مين يا عيني، إنت ماتعرفناش إحنا قرايب فيروز اللي عايشة جوه دي
_ فيروز هانم؟
لوت فمها بغيظ وأشارت بيدها:
_ هي كمان بقت هانم بنت الـ…
تدخل رامي وبالتوسل قال:
_ طب ادخل اسألها وهي هاتقولك دخلهم
نظر أفراد الأمن لبعضهم، وقبل أن يتخذوا قرارهم تدخلت نازلي الواقفة على السلم الرخامي أمام الباب الداخلي:
_ في إيه بيحصل هنا؟
_ الناس دول طالبين يشوفوا كمال بيه، بيقولوا إنهم يعرفوا فيروز هانم
قبضت جبينها وبتأفف قالت لنفسها: “فيروز وقرف فيروز”
ثم أشارت بيدها وباختصار قالت:
_ دخلهم، بس خليكم قريبين مني
…
جالسة واضعة قدمًا فوق أخرى، تنظر إليهم من أسفلهم لأعلاهم باحتقار، بينما التوى فم مروة بحنق وهي ترى العز والثراء الذي تعيشه فيروز في ليلة وضحاها.
_ إنتوا مين؟
أجابها رضا مشيرًا لنفسه:
_ خدامك رضا، وده ابني رامي، ودي بنتي مروة، إحنا قرايب فيروز




