صوت كعب حذائها

شهقاتها المستمرة وعبراتها التي لم تنقطع وملابسها السوداء جعلته يتساءل بقلق:
_ ليه لابسة أسود؟
أغمضت عينيها بوجع وبخفوتٍ مؤلم:
_ أمي ماتت
أحنَى رأسه بأسف، مُربّتًا على كتفها وقال:
_ طب تعالي يالا بينا
تساءلت فيروز بحيرة:
_ هنروح فين؟
أجابها بابتسامة هادئة:
_ بيتي، أنا مش هاسيبك أبدًا، عندي بنت في سنك هتحبيها أوي
سارت معه باستسلام، غير مصدقة للآن أنها وجدت من ينتشلها من الشارع والكلاب الضالة، أنها بعد ما جرّبت شعور التشرّد ليومٍ واحد، وكان أصعب يوم في حياتها، ستكون بمأوى آمن.
تساءل كمال فجأة، أخرجها من شرودها:
_ كنتي عايشة فين يا فيروز؟
نفسها العزيزة أبت أن تقول إنها قضت ليلتها على الطريق، وخزي آخر لو اعترفت بما عاشته بمنزل زوج والدتها، وقهر لو اعترفت بمحاولة ابنه لاغتصابها.
فقالت بإيجازٍ مرير:
_ في بيت جوز أمي
وعلى صفحة وجهها أدرك أن هناك معاناة تعايشها فيروز، غيّر مجرى حديثه، جاذبًا عقلها إليه، يسرد على مسامعها أشياء مختلفة عن حياته وابنته، لعله يبث فيها الأمان.
،،،،،،،،،،،،،،،،،
توجه موسى إلى الممر الصغير والذي يكون في نهايته مكتب المساعدة الخاصة الجديدة، والذي وجدها منكبّة على عدد من الأوراق والملفات المختلفة المفتوحة بعشوائية على المكتب، والذي يظهر أنها هنا قبل ميعادها، لكن فقط لو أكملت ذلك الانضباط بزي مناسب لشركة محترمة يتوافد عليها الرجال من جميع الأصناف.
لكن كيف ذلك بتلك الحُلّة التي تشبه أمس ولكن بلون كريمي، أسفله قميص حريري داكن اللون، مع تنورتها، وما يوحي من أسفلها من شدة ضيقها.
أجلى موسى حنجرته، فانتبهت هي، فعادت بظهرها للخلف دون أن تقف كعادتها حتى في شركة الشناوي، وقف قبالتها بقامته العتيدة، تدور عيناه على الملفات، ثم تقابلت بعينيها ذات الكحل الأسود، قائلًا وهو يضع يديه في جيبي بنطاله:
_ شايفك جاية بدري
أجابته دهب بأريحية مدروسة:
_ قبل ميعادي كمان
_ وإيه الملفات دي؟
استقامت ببطء قبالته وقالت دهب بهدوء، متمائلة للأمام قليلًا:
_ بحب أرتّب كل حاجة بطريقتي، علشان لما أحتاج حاجة أنا بس اللي أعرف هتكون فين وأجيبها إزاي.
توقفت عيناه على فتحة قميصها الداكن، مظهرًا عظمتَي الترقوة خاصتها مع لون بشرتها البيضاء.
التوى ثغرها بابتسامة صغيرة واثقة، ورفع عينيه إليها موسى وقال:
_ مظبوطة
ارتفع أحد حاجبيها، ولمعت عيناها بغرور، وازدادت ابتسامتها الخافتة، وانتبهت كل حواسها واضطربت للحظات عندما مال عليها حتى أصبح قبالة وجهها مباشرة، وعيناه تدور في أنحاء وجهها، وقبل أن يزداد انتصارها وتهنئ نفسها به من اليوم الأول، قال موسى بصوتٍ متسلي:
_ قهوتي
ضيّقت عينيها للحظات، فأكمل بابتسامة صغيرة:
_ قهوتي مظبوطة
تحولت عيناها بلحظة من الإغواء لغضب مكتوم، دارته بسرعة ولم يَخفَ عليه هو.
تركها ودخل إلى مكتبه، صافقًا الباب من خلفه،
ارتمت على المقعد من خلفها، تعض على شفتها السفلى بغيظ،
لُوهلة ظنّت أنه… أنه ماذا!
نفخت ثم ضغطت على الزر وطلبت قهوته “المظبوطة”… كما يريدها.





