صوت كعب حذائها

_ باعت له البيت ولا مضّاها على المبايعة من دون علمها؟!
شحب وجه فيروز، فلو سؤاله عن سبب تركها البيت فممكن يكون قد علم من عمها، لكن المبايعة وسرقة زوج والدتها لمنزلهم على علم بها أيضًا، إذا ما الذي يعرفه عنها بعد؟
بترقب وخوفًا من الشعور أمامه بالخزي والكسرة تساءلت بخفوت فيروز:
_ وتعرف عني إيه كمان
انقطعت إجابته لدخول النادل ووضع الفطور، انتظرت بقلة صبر حتى انتهى وغادر، ونظرت لقاسم منتظرة إجابته لها قائلًا:
_ ماكنش زوج كويس وعاطل أغلب الوقت، خد بيت والدتك اللي بالأصل كان بيت والدك اللي توفي وأنتي صغيرة، ماكمّلتِش تعليمك بسبب مرض والدتك واشتغلتي أكتر من شغلانة لحد يوم وفاتها، بعدها جيتي هنا لعمك، ما حبيتش أعرف تفاصيل أكتر لأني حابب أنا اللي أتعرف عليكي يا فيروز
أدارت وجهها عنه للجهة الأخرى، ورغبة آتتها في البكاء، وبصعوبة تماسكت وقالت:
_ ما فيش أكتر من كده
أدرك رغبتها في إنهاء النقاش هنا، يمكن تأثرًا لذكرى والدتها، هكذا قال قاسم لنفسه، فبلطف ناداها واستجابت له، ابتسم لها فجأة، كانت ابتسامته عميقة وجميلة وكأنه يؤازرها في شيء ما حزين في أعماقها، رغم لمعة عينيها بالدموع المكتومة إلا أنها بادلته الابتسامة، وكانت صافية بها من القبول شيء، بها من التفاصيل الكثيرة السعيدة والحزينة والراغب هو في استكشافها.
قاد سيارته هذه المرة دون سائق، ولذلك هي الآن جالسة بجانبه وسيارات حراسته من خلفهم، ينظر إليها من حين لآخر، من وقت حديثهما الأخير وهي شاردة، رغم أنها تجيبه وتحاوره إلا أنها ما إن ينتهي تصمت وتشرد بشيء ما ويجذبها هو مرة أخرى إليه، ويشعر بهمّ ثقيل بداخلها لا يعرف مصدره، لعله مع الوقت يعلمه.
تنظر للطريق من النافذة ولم تعبأ فيروز بسرعته، بل كان الهواء البارد الذي يض*رب وجهها يشعرها بالاسترخاء، متحيرة منه ومن اقتحامه لحياتها التي تجاهد لتبني لنفسها شيئًا فيها، شيئًا يجعلها تشعر بالكرامة والآدمية، دون أن تُذل على لقمة ومأوى أو يُغتال شرفها عنوة وتصمت خوفًا.
انتبهت أنه ليس طريق بيت عمها، رغم أنها لم تحفظ الشوارع جيدًا، لكن طريق بيت عمها لم يكن على أطرافه بحر!
رائحة اليود امتلأت أنفها والهواء بدأ يزداد، التفتت برأسها إليه فجأة وهتفت به بارتياب:
_ إنت جايبني هنا ليه؟
ابتسم بعبث وأجابها قاسم:
_ هاخطفك.
وكان خطأ لقاسم أن يتفوه بتلك الكلمة الآن مع فتاة مثلها، وفور ما أنهى جملته وتوقف بسيارته، فتحت بابها وركضت منها بأقصى جهدها دون أن تفكر مرتين. صُدم قاسم من فعلها وناداها ولم تجبه، فنزل وأسرع من خلفها وهي مستمرة بالركض وكأن هناك وحش مفترس من خلفها. للمرة الثالثة تتخذ ركضها أقرب وسيلة لها للهروب منه، وعندما شعرت بخطواته قريبة جدًا من خلفها صرخت، فجذبها من ساعدها ولفها إليه بقوة، ثم أمسكها من ذراعيها خشية من ركضها منه، وبأنفاس لاهثة هتف بها بغضب:
_ إنتِ مجنونة! إنتِ بتجري كده ليه؟
تلوّت من بين يديه هادرة به باندفاع:
_ والله لو فكرت تقرب مني هاصوت وألمّ عليك الناس وأقول لعمي وأفضحك في كل مكان.
لن تتوقف فيروز عن إدهامه، بأفعالها غير المتوقعة واندفاعها العدائي أحيانًا دون مبرر حقيقي.
هزها فتحركت بين يديه كالورقة، معنفًا:
_ وإنتِ فاكرة لو عايز أعمل فيكي حاجة هاجيبك هنا؟! ثم إني ماليش في السكة دي وخيالك المريض هو اللي بيصوّرك كل حاجة شمال.
سكنت فجأة ونظرت إليه بترقب وصدرها يعلو ويهبط:
_ يعني إنت مش خاطفني؟
دفعها وتركها بعنف حتى تراجعت خطوتين، ملوحًا لها بحنق زافرًا أنفاسه وهو يعدل من جاكيت حلته:
_ يا شيخة اتنيلي، فرهدتيني!
ثم نظر للحراس المترقبة أوامره هادرًا بها بغيظ:
_ شكلي أنا إيه قدامهم وأنا بجري وراكي كده؟!
عضت على شفتيها بخجل ويبدو أنها تسرعت واندفعت بعقلها بسوء الظن به، بخفوت قالت فيروز معتذرة:
_ آسفة.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا واضعًا يديه على خصره:
_ إنتِ ليه بتخافي مني؟
نظرت لأسفل لبرهة وقالت بوضوح:
_ لأنه يتخاف منك. أنا مش عارفة إنت عايز من واحدة زيي إيه، أنا ما عنديش حاجة أديهالك، وكل تصرفاتك بتقلقني أكتر. أنا مش شبهك ولا شبه البنات الحلوة زي اللي كانوا في الحفلة، أنا مش قدك، وراجل زيك عايز ست تليق بيه. لأول مرة بطلب منك حاجة يا قاسم بيه… سبني في حالي الله يخليك.





